ندوة حول مشروع قانون إلغاء عقوبة الاعدام في لبنان بدعوة من السفارة الايطالية وكلمات انتقدت عدم اقراره

نظمت ندوة حول مشروع قانون إلغاء عقوبة الاعدام في لبنان بدعوة من السفارة الايطالية، بالتعاون مع مفوضية الامم المتحدة السامية لحقوق الانسان UHCHR والهيئة اللبنانية للحقوق المدنية LACR،في حضور السفير الايطالي في لبنان فابريستو مارتشيللو، وزير العدل  عادل نصار، رئيس لجنة حقوق الإنسان النيابية ميشال موسى،  مؤسسة الحملة الوطنية لإلغاء عقوبة الاعدام في لبنان الدكتور أوغاريت يونان وحقوقيين ومهتمين، في مقر السفارة الايطالية -بعبدا طريق القصر الجمهوري.

السفير الإيطالي 

واستهل اللقاء بكلمة للسفير الايطالي فابريستو مارتشيللو، رحب في مستهلها  بالحاضرين، وقال :”يشرفنا أن نستضيف نقاش اليوم بالتعاون مع مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، والجمعية اللبنانية للحقوق المدنية، وجامعة اللاعنف وحقوق الإنسان. وأتوجه بالشكر الحار إلى جميع شركائنا الذين جعلوا هذه المبادرة ممكنة، ولا سيما أولئك الذين عملوا، على مدى سنوات طويلة، بعزم وقناعة لإبقاء قضية إلغاء عقوبة الإعدام على جدول الأعمال العام في لبنان.

ولفت الى اننا “نجتمع اليوم في لحظة ذات أهمية خاصة”، وقال :”في الواقع، كان من المقرر أصلاً أن يُعقد هذا الحدث قبل يومين. وقد اخترنا عمداً تأجيله على أمل أن يكون مجلس النواب اللبناني قد اتخذ، بحلول موعد لقائنا، الخطوة التاريخية المتمثلة في إلغاء عقوبة الإعدام. إلا أن ذلك لم يحدث بعد. وبينما لا يمكننا اليوم الاحتفال بإقرار هذا الإصلاح المهم، فإنه لا ينبغي لنا أيضاً أن نعتبر غياب القرار النهائي انتكاسة. فالنقاش البرلماني لا يزال مفتوحاً، ومعه تبقى الفرصة متاحة أمام لبنان لاتخاذ خطوة مفصلية في مسيرة تعزيز حقوق الإنسان”.

أضاف السفير:”على مدى أكثر من اثنين وعشرين عاماً، حافظ لبنان فعلياً على وقف تنفيذ أحكام الإعدام. ومع ذلك، لا تزال عقوبة الإعدام جزءاً من نظامه القانوني، كما واصلت المحاكم إصدار أحكام بالإعدام. وقد اجتاز مشروع القانون بنجاح مرحلة اللجان النيابية، وهو الآن بانتظار عرضه على الهيئة العامة. وبالتالي، فإن السؤال المطروح أمام البرلمان لم يعد ما إذا كان لبنان قادراً على العيش من دون تنفيذ أحكام الإعدام ــ فقد أثبت ذلك لأكثر من عقدين من الزمن ــ بل ما إذا كان ينبغي الآن ترجمة هذه الممارسة الراسخة إلى خيار تشريعي واضح ودائم”.
وتابع :”لا أحد في هذه القاعة يستخف بالتحديات الأمنية الجسيمة التي واجهها لبنان على مدى سنوات طويلة، ولا بالمعاناة التي تسبب بها الإرهاب والعنف السياسي. ولأن هذه التحديات حقيقية بالفعل، فإن الخيارات التي تتخذها المؤسسات الديمقراطية تكتسب أهمية أكبر. وسواء اعتمد مجلس النواب هذا القانون في نهاية المطاف أم لا، فإن ذلك، بطبيعة الحال، قرار سيادي يعود حصراً إلى لبنان ومؤسساته الديمقراطية”.
وأكد “إن هدفنا اليوم ليس استباق ذلك القرار، بل تشجيع حوار مستنير، ومحترم، وفي الوقت المناسب، وشامل، حول مسألة تمس العدالة، والكرامة الإنسانية، ودور الدولة”. وقال :”لقد اعتبرت إيطاليا منذ زمن بعيد أن إلغاء عقوبة الإعدام يشكل هدفاً أساسياً من أهداف حقوق الإنسان. وهذا الالتزام متجذر بعمق في قيمنا الدستورية، وقد وجّه عملنا الدولي على مدى عقود”.
أضاف :”وقد بادرت بلادنا، بكل فخر، إلى طرح أول قرار للجمعية العامة للأمم المتحدة يدعو إلى وقف عالمي لتنفيذ أحكام الإعدام عام 2007. ومنذ ذلك الحين، بقيت إيطاليا من أبرز الداعمين لهذه المبادرة، انطلاقاً من قناعتها بأن احترام الحياة والعدالة ليسا قيمتين متناقضتين، بل إن كلّاً منهما يعزز الآخر”.
وتابع :وعلى الرغم من الانتكاسات التي شهدتها بعض أنحاء العالم، فإن الاتجاه العالمي لا يزال يسير نحو إلغاء عقوبة الإعدام. واليوم، فإن غالبية واضحة من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة قد ألغت عقوبة الإعدام أو لم تعد تنفذ أحكامها. ويعكس ذلك قناعة دولية متنامية بأن العدالة قادرة على حماية المجتمع مع الاحترام الكامل للكرامة الإنسانية”.
تجربة لبنان نفسها مادة مهمة للتأمل
وأردف السفير الإيطالي :”فعلى مدى أكثر من عقدين، أثبت البلد أن الأمن العام وغياب تنفيذ أحكام الإعدام لا يتعارضان. ولذلك، فإن النقاش التشريعي الحالي لا ينطلق من نظرية، بل من ممارسة مؤسساتية معاشة.
ومن المناسب، في هذه المناسبة، الإشادة بالدور البنّاء الذي اضطلعت به لجنة الإدارة والعدل، ولجنة حقوق الإنسان النيابية برئاسة سعادة النائب ميشال موسى. فمن خلال العمل الدؤوب عبر مختلف الانتماءات السياسية، ساعدت اللجنة على ضمان تقدم هذا الاقتراح ضمن المسار البرلماني، وأن يحظى بالعناية المؤسسية التي تستحقها قضية بهذا القدر من الأهمية الدستورية والأخلاقية.
كما يعكس ذلك المثابرة الاستثنائية التي أبدتها مؤسسات المجتمع المدني اللبناني، والباحثون القانونيون، والنواب، والمسؤولون العامون المتعاقبون، الذين حافظوا على حضور هذه القضية على مدى سنوات اتسمت بالأزمات السياسية، والصعوبات الاقتصادية، والنزاعات. وإن التزامهم يستحق التقدير، بصرف النظر عن المواقف الفردية من مشروع القانون”.
توقيت هذا النقاش يحمل أيضاً دلالة خاصة
وقال السفير:” فلبنان منخرط في عملية طموحة لإعادة بناء مؤسساته وتعزيز ثقة المواطنين بسيادة القانون. ومن الطبيعي أن تصبح الإصلاحات التشريعية التي تعزز مصداقية النظام القضائي وعدالته وإنسانيته جزءاً من ذلك الجهد الوطني الأشمل. فالعدالة لا تُقاس فقط بقدرتها على معاقبة مرتكبي الجرائم، بل أيضاً بقدرتها على صون القيم التي تقوم عليها المجتمعات الديمقراطية”.
ولفت الى ان “السفارات هي أماكن للدبلوماسية، لكنها ينبغي أيضاً أن تكون أماكن للحوار.ويشرفنا أن يكون ممثلو السلطة التنفيذية، والبرلمان، والسلطة القضائية، والأمم المتحدة، والمجتمع المدني، والأوساط الأكاديمية قد لبّوا دعوتنا للتفكير معاً في هذه القضية المهمة”، وقال :”وعلى الرغم من أن البرلمان لم يحسم موقفه بعد، فإن مناقشة اليوم لا تقل أهمية أو راهنية. بل على العكس، فهي تأتي في وقت لا يزال فيه التأمل العام المستنير قادراً على مواكبة المسار الديمقراطي. وأنا على ثقة بأن تبادل الآراء هذا الصباح سيكون متأنياً، ومحترماً، ومثمراً بفضل تنوع الخبرات التي يمثلها الحاضرون في هذه القاعة”.
وختم السفير الإيطالي :”اسمحوا لي، أخيراً، أن أعرب عن خالص تقديري لمعالي الوزير عادل نصّار على قيادته والتزامه، ولسعادة النائب ميشال موسى على الدور المهم الذي اضطلعت به لجنة حقوق الإنسان النيابية في مواكبة هذه العملية التشريعية، ولمكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان على دعمه الثابت لتعزيز حقوق الإنسان في لبنان، وللجمعية اللبنانية للحقوق المدنية (LACR) وجامعة اللاعنف وحقوق الإنسان (AUNOHR)، اللتين أسهم دفاعهما المبدئي، على مدى ما يقارب ثلاثة عقود، في جعل مناقشة اليوم ممكنة”.
الوزير نصار
ثم كانت كلمة لوزير العدل عادل نصار، قال فيها :”أتحدث إليكم اليوم بشعور عميق من خيبة الأمل والإحباط، ولكن أيضاً بعزيمة لا تتزعزع.أتحدث إليكم بخيبةٍ من النوع الذي قد يزرع الشك، ولكن بقناعة راسخة بأن الرداءة يجب ألّا تنتصر أبداً.وحتى حين يبدو أنها تحقق تقدماً، علينا أن نواصل مقاومتها إلى أن ننتصر.
أتحدث إليكم مستحضراً كلمات أديب أكنّ له إعجاباً كبيراً، ألبير كامو، الذي كتب بحكمة: «ينبغي أن نتخيّل سيزيف سعيداً».
أعتذر من كامو، لكنني لست سعيداً. ومع ذلك، سيبلغ سيزيف هدفه في نهاية المطاف، لأننا نرفض الاستسلام للقدر المحتوم”.
أضاف :” إن اقتراح القانون الرامي إلى إلغاء عقوبة الإعدام، الذي تقدّم به في الأساس عدد من النواب وأقرّته اللجنتان النيابيتان، قد عُطّل بعدما تعمّدت كتلة نيابية، كانت من بين الجهات التي تقدّمت به وأعلنت علناً تأييدها له، التسبّب بفقدان النصاب. لا يوجد أي تفسير يمكن أن يبرّر مثل هذه المناورة. فقانون بهذه الأهمية للبنان، ولدوره منارةً للحقوق الأساسية في هذه المنطقة المضطربة من العالم، كان يستحق تعاملاً أفضل بكثير.لكننا لن نستسلم.لن نتراجع.لن نحني رؤوسنا.ولن نفقد الأمل”.
وأكد نصاار “سنواصل هذه المعركة، وكل معركة من أجل الإصلاح والتقدّم، بعزيمة لا تلين”. وقال :”ستُعقد جلسة نيابية أخرى، وكما فعلنا خلال الجلسة السابقة، سنبذل، الدكتور موسى وأنا، كل ما في وسعنا لضمان إدراج اقتراح القانون هذا في طليعة بنود جدول أعمال مجلس النواب.إن عزيمتنا لا تزال راسخة لا تتزعزع.وسيُقرّ هذا القانون، لأن على لبنان أن يلغي عقوبة الإعدام.عليه أن يفعل ذلك، على الرغم من الفظائع التي تعرّض لها.عليه أن يفعل ذلك، على الرغم من الحروب والجرائم والأعمال الإرهابية.عليه أن يفعل ذلك، على الرغم من التدخلات الأجنبية الدنيئة.عليه أن يفعل ذلك، لأن هذه هي رسالته.عليه أن يفعل ذلك، لأنه يعرف أكثر من أي بلد آخر معنى أن يَقتل الإنسان وأن يموت.وعليه أن يفعل ذلك، مع الحفاظ على رفض مطلق للجريمة.وعليه أن يفعل ذلك، مع تعاطف راسخ لا يتزعزع مع ضحايا أبشع الجرائم.يجب ألّا تعود جمهوريتنا تقرّر أن إنساناً ما ينبغي أن يموت.ويجب أن يدين نظامنا القضائي الموت، لا أن يلجأ إليه”.
وقال نصار :”ولا ينبغي أن يوضع أي إنسان يوماً أمام المعضلة الرهيبة المتمثلة في تقرير ما إذا كان شخص آخر سيحيا أم سيموت.إن الوضع الإنساني في حدّ ذاته يشكّل حجةً لإلغاء عقوبة الإعدام.فالقاضي إنسان يحكم على أناس مثله، ويجب ألّا ينسى القاضي ذلك أبداً. إن سلب إنسان حريته ليس عقوبة متساهلة.كما أن إنهاء حياة إنسان لن يمنح عائلة الضحية عزاءً. للضحايا الحق في المطالبة بالعدالة، ومن واجب الدولة أن تحقّق لهم هذه العدالة”.
ورأ|ى “إن إلغاء عقوبة الإعدام لا ينتقص من المساءلة، بل يرفض الموت أداةً للمساءلة”. وقال :”علينا أن نطالب بالعدالة، لا بالموت. فالموت لا يشفي الجراح.لقد عانى لبنان كل أشكال الجريمة.وعانى لبنان، ولا يزال يعاني، ظلماً.نحن نعرف كلفة المعاناة. ومع ذلك، لن نطالب بالموت.لأن الانتقام وإراقة الدماء لا يحلّان شيئاً. فهما لا يجلبان السلام، بل يزيدان الألم مرارةً”.
وتابع :”قال جوليان غرين ذات مرة: «لا ينبغي أن نحكم على إنسان بالموت، لأننا لا نعرف ما هو الموت».يجب ألّا نضيف مجهولاً آخر إلى كل أوجه عدم اليقين التي تحيط أصلاً بشخصية الجاني وبمسار العملية القضائية.
سيلغي لبنان عقوبة الإعدام.وسيفعل ذلك في وقت أعاد فيه بعضهم، في الشرق الأوسط، تطبيق هذه العقوبة بصورة انتقائية، فيما يستخدمها آخرون لإسكات خصومهم السياسيين.
لبنان مقدّر له أن يكون مختلفاً في هذا الجزء من العالم. فقد صمدت فيه الحرية والحياة والتنوّع والديمقراطية، على الرغم من الرياح المعاكسة التي لم تهدأ.
كثيراً ما أصبحت السياسة، في لبنان كما في غيره، مرادفاً للتهكّم وانعدام الثقة. لكن السياسة ستستعيد نُبلها.
يشبه اللبنانيون أرزتنا: فجذعها هو الثقافة المشتركة التي أنتجها تفاعل الطوائف، وأغصانها تعكس تنوّعنا. فإذا قطعتم الجذع ماتت الشجرة، وإذا قطعتم الأغصان غدت الشجرة عارية.الجذع والأغصان ملتزمون بالحقوق الأساسية والكرامة الإنسانية”.
وختم نصار:”يستحق الشعب اللبناني منّا ألّا نستسلم أبداً.كتب بول فاليري: «الريح تهبّ؛ لا بدّ أن نحاول أن نحيا».وسنواصل الحياة، مهما اشتدّت الرياح”.
موسى
ثم تحدث النائب ميشال موسى، وقال :”اليوم، أتحدث إليكم اليوم دفاعاً عن الإلغاء الكامل وغير المشروط لعقوبة الإعدام في تشريعاتنا.
لم ينفذ لبنان أي حكم بالإعدام منذ السابع عشر من كانون الثاني عام 2004. وعلى مدى أكثر من اثنين وعشرين عاماً، عشنا عملياً في ظل وقف لتنفيذ أحكام الإعدام. لقد اتخذنا بالفعل، من دون أن نعلن ذلك صراحة، الخطوة الحاسمة. واليوم، حان الوقت لترسيخ هذا الواقع في القانون، وتحويل هذه الممارسة إلى مبدأ دستوري وقانوني. إن إلغاء عقوبة الإعدام ليس علامة ضعف، بل هو دليل على القوة الأخلاقية والنضج الديمقراطي.
اسمحوا لي أن أطرح أربع حجج أساسية:
الحجة الأولى: إن عقوبة الإعدام تتعارض مع حقوق الإنسان ومع القيم اللبنانية. فالإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي ساهم لبنان في صياغته عام 1948، يؤكد منذ مادته الثالثة الحق غير القابل للتصرف في الحياة. وعقوبة الإعدام تنتهك هذا الحق الأساسي. كما أنها تشكل معاملة قاسية ولاإنسانية ومهينة، بما يخالف المادة الخامسة من الإعلان ذاته.
في وطننا، أرض العيش المشترك والقيم المسيحية والإسلامية، تُعد الحياة مقدسة. فهل يعقل أن تحتفظ الدولة بحق القتل بصورة قانونية؟ إن الدولة التي تحظر القتل لا يجوز لها أن ترتكب بنفسها الفعل الذي تعاقب عليه. إنها مفارقة أخلاقية لا يمكن احتمالها.
الحجة الثانية: إن عقوبة الإعدام غير فعالة ولا تحمي المجتمع. فقد أثبتت أهم الدراسات الدولية، التي أجرتها الأمم المتحدة والعديد من معاهد علم الإجرام، أن عقوبة الإعدام لا تحقق أثراً رادعاً يفوق أثر السجن المؤبد. بل إن الجرائم الخطيرة تقع بالوتيرة نفسها، إن لم تكن أكثر، في الدول التي تطبقها.
وفي لبنان،  فإن اعدام شخص مدان بعد سنوات من الانتظار لا يحل شيئاً. فهو لا يعيد الضحايا إلى الحياة، ولا يردع المجرمين المنظمين الذين يدركون في كثير من الأحيان أنهم قادرون على الإفلات من العدالة.
إن الحماية الحقيقية تكمن في إصلاح النظام القضائي، وتعزيز القوى الأمنية، ومكافحة الفقر والإقصاء، اللذين يشكلان البيئة الحاضنة الحقيقية للجريمة.
الحجة الثالثة: الخطر الذي لا رجعة فيه للخطأ القضائي. فالعدالة البشرية قابلة للخطأ، ونحن جميعاً نعلم ذلك. وفي نظامنا القضائي، الذي تعتريه ضغوط سياسية وطائفية، واعترافات تُنتزع أحياناً تحت الإكراه، وتحقيقات غير مكتملة، يكون هذا الخطر أكبر.
كم من الأشخاص المحكوم عليهم بالإعدام في لبنان أمضوا سنوات وهم ينتظرون تنفيذ الحكم؟ إنهم يعيشون محنة نفسية حقيقية ودائمة. وماذا لو كان أحدهم بريئاً؟ لن يكون بإمكاننا أبداً تصحيح مثل هذا الخطأ. لذلك فإن الإلغاء يقضي نهائياً على هذا الخطر اللاإنساني.
الحجة الرابعة: إن عقوبة الإعدام تمييزية وتكرس أوجه عدم المساواة. ففي بلدنا، كما في غيره، تطال عقوبة الإعدام بصورة غير متناسبة الفئات الأكثر فقراً، ومن لا يستطيعون تحمل كلفة دفاع قانوني جيد، والأجانب، وبعض الفئات المجتمعية. أما أصحاب النفوذ، أو المجرمون السياسيون، أو الذين يتمتعون بالحماية، فكثيراً ما يفلتون من العقوبة القصوى”.
وأكد “إن الإبقاء على عقوبة الإعدام يعني، بالتالي، القبول بعدالة ذات مستويين” وقال :”إن إلغاءها سيرسل رسالة واضحة مفادها أن الكرامة الإنسانية ليست موضع تفاوض، أياً كانت الجريمة المرتكبة أو الوضع الاجتماعي للمتهم. كما سيعزز مصداقية نظامنا القضائي في نظر العالم وفي نظر الشعب اللبناني نفسه”.
أضاف: “قد يجادل البعض بضرورة الإبقاء على عقوبة الإعدام في الجرائم الأشد خطورة، كالإرهاب، والقتل العمد مع سبق الإصرار، والاغتصاب الذي يعقبه القتل. وأجيبهم بكل احترام: إن المجتمع الحديث يمتلك الوسائل الكفيلة بحماية مواطنيه من دون اللجوء إلى الإقصاء الجسدي. فالسجن المؤبد الحقيقي، من دون إمكانية الإفراج المبكر في الجرائم الأشد خطورة، يشكل عقوبة صارمة ومتناسبة بما فيه الكفاية”.
وتابع موسى :”إن لبنان يقف اليوم عند مفترق طرق. فقد تقدمت عدة قوى سياسية، إلى جانب المجتمع المدني، ومنه الجمعية اللبنانية للحقوق المدنية ومنظمات أخرى، باقتراحات عملية. وسيكون إلغاء عقوبة الإعدام انتصاراً لجميع القوى الديمقراطية في البلاد. كما سيوجه رسالة قوية تعكس التحديث والالتزام بحقوق الإنسان، في وقت يسعى فيه وطننا إلى إعادة بناء نفسه واستعادة الثقة الدولية.
إننا، بإلغاء عقوبة الإعدام، لا نعبر عن سذاجة، بل نؤكد أن العدالة يجب أن تكون إنسانية، وإصلاحية كلما أمكن، وحامية للمجتمع في جميع الأحوال. ونؤكد أن الدولة اللبنانية تختار الحياة، حتى في مواجهة أولئك الذين سعوا إلى تدميرها.
وختم موسى :”لذلك، أدعوكم، زملائي الأعزاء، إلى دعم مشروع هذا القانون. صوّتوا لمصلحة الإلغاء. وليقف لبنان، مرةً وإلى الأبد، في صف الدول التي اختارت التقدم الأخلاقي. فالتاريخ لن يحكم علينا بقدرتنا على إنزال عقوبة الموت، بل بقدرتنا على حماية حياة كل إنسان وكرامته.  عاش لبنان.وعاشت عدالة تليق بشعبنا”.
اوغاريت يونان
والقت يونان، كلمة : “كان يمكن لندوتنا اليوم أن تكون احتفالية، وأول تهنئة عامة بإلغاء عقوبة الإعدام في لبنان.
إن عقوبة الإعدام ستُلغى حتمًا؛ فقد جهزنا كل شيء لإنهاء هذا العهد، ونحن بانتظار الخطوة الأخيرة التي ستحصل بالتأكيد. وحول ما جرى بالأمس، أستعين ببيان الهيئة اللبنانية للحقوق المدنية المنشور في وسائل الإعلام، والذي أعلنت فيه الهيئة رفضها لما حدث في الجلسة المسائية للهيئة العامة للمجلس النيابي، حيث تم تعطيل النصاب من قِبل كتلة “الجمهورية القوية” عبر انسحابها عند المباشرة بمناقشة اقتراح قانون إلغاء عقوبة الإعدام.
وتحمل الهيئة هذه التوجهات والبيانات السياسية المعلنة مسؤولية إحباط آمال المواطنين والمناضلين نتيجة عدم مناقشة الاقتراح وإقراره. كما تأسف للتلاعب بهذا الموضوع الإنساني الفلسفي الجوهري وإنزاله في بازار التسييس وتقاطع المصالح، وترى أن الربط بين إلغاء الإعدام وما يُسمّى بقانون العفو العام بإطاره المذهبي، قد أساء للقضية وتسبب بخلط شعبوي وسياسي وإعلامي مغلوط.  مفهوم العدالة والحقلقد أسموا هذه العقوبة “عدالة”، لكن اسمها الحقيقي يظل “إعدامًا”.
وحين ينادونها بالعدالة، تجيب بملء فمها: “أنا إعدام”. لقد كرسوها في القوانين، ولم يدركوا أننا مناضلون لا ننثني، واليوم نضالنا بالكلمة هو الجواب الحاسم: إلغاء الإعدام هو العدالة، وليس العكس.
اعتاد الكثيرون المطالبة بالقصاص قائلين: “نريد حقنا”، لكن الحقيقة الراسخة هي أنه لا يوجد حق يُدعى “الإعدام”. ابحثوا في صكوك حقوق الإنسان الدولية كافة ولن تجدوا له أثرًا، بل أينما حلّت كلمة “إعدام” اقترنت بالنفي والمناهضة والتجميد والإلغاء. بناءً عليه، فإن إلغاء الإعدام هو الحق عينه، فليس من حق أي إنسان أن يقتل إنسانًا آخر، وعقوبة الإعدام هي قتل مقونن وشراكة صريحة في العنف.  إن مسؤوليتنا الأخلاقية والإنسانية تفرض علينا ألا نكون شركاء في العنف أو القتل، وألا نمنح صلاحية إنهاء حياة البشر لأي سلطة، سواء كانت رئيسًا، أو قاضيًا، أو وزيرًا، أو ملكًا، وألا نطلب مباركة رجال الدين للقتل، أو نُحوّل رجال الأمن الوطني إلى جلادين. المسألة في جوهرها تتعلق بخياراتنا وفلسفتنا بين العنف واللاعنف؛ فلا يمكننا القبول بالعيش في “دولة المشانق والموت”، بل علينا اختيار الدولة التي نريد، وقد اخترنا منذ البداية النضال من أجل دولة حقوق الإنسان المبنية على عدالة اللاعنف.  مسيرة النضال والتاريخ التراكمي
وتوجهت يونان “بتحية إجلال لكل المناضلين والمناضلات من أجل إلغاء عقوبة الإعدام في لبنان والعالم العربي والعالم أجمع”. وقالت :”وتحية خاصة إلى رفيق العمر والمفكر والمناضل الراحل وليد صليبي، الذي غادرنا منذ ثلاث سنوات، وهو الذي أسس معي “الحملة الوطنية من أجل إلغاء عقوبة الإعدام في لبنان” عام 1997. لقد اخترنا معًا منذ لقائنا الأول عام 1983 مسار الحب والنضال والفكر، وتوّجنا مسيرتنا بتأسيس “جامعة اللاعنف وحقوق الإنسان” (AUNOHR) التي وصفتها اليونيسكو بأنها “فريدة في العالم”.
وليد حاضر معنا اليوم في كل محطة انتصار ضد الموت، وكما كان يقول دائمًا: “نحن في عالم لم ينتصر فيه العنف، لكن اللاعنف لم ينتصر فيه كفاية بعد”.  يسعدني تنظيم هذا النشاط بالتعاون مع سفارة إيطاليا ومفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، بعد أن تأجل منذ مطلع آذار بسبب ظروف الحرب. إننا نرفع صوتنا لإلغاء الإعدام في كل مكان، لا سيما في منطقتنا التي لا تزال متمسكة بهذه العقوبة وتنفذها بكثرة. وفي ظل الحروب والاحتلال والإبادة، أضافت إسرائيل مؤخرًا فصلاً جديدًا يقضي بحصر عقوبة الإعدام بالفلسطينيين المعتقلين في سجونها. كنت أتمنى أن نحتفل في ظروف أفضل، فالقتل يحصد الآلاف يوميًا، ومع ذلك سنفرح بالطبع بكل خطوة نحو الحياة.
لقد بدأت حكايتنا عام 1997، وأستطيع القول اليوم إنني الشاهدة الوحيدة الحاضرة على تفاصيل هذه المسيرة يومًا بيوم. إنها واحدة من أضخم وأبرز الحملات المدنية في تاريخ الحقوق في لبنان، وتميزت باستراتيجية لاعنفية، مثابرة وشجاعة، وحققت إنجازات تراكمية غير مسبوقة. إن مناهضي الإعدام موجودون في لبنان على مر الزمن، لكن عام 1997 شهد ولادة أول حملة مدنية نضالية منظمة على المستوى الوطني لتأسيس ثقافة راسخة مناهضة للإعدام، وليس مجرد إلغاء نص قانوني.  آفاق المستقبل وإلغاء العنفنحن مستمرون في إكمال المسيرة، ولبنان سيكون حتمًا خاليًا من عقوبة الإعدام”.
وأردفت يونان :”إن اقتراح القانون الحالي يحتاج إلى دعم النواب السبعة الذين وقعوا عليه، وإلى وزير العدل المتبني للقضية، وإلى تضامن جميع الحلفاء.
إن إلغاء العقوبة من القانون خطوة أساسية لكنها ليست الأخيرة؛ إذ سنستكملها باقتراحات قوانين تضمن حقوق ضحايا الجريمة، وحقوق المحكومين في السجون، وتنقية القوانين من مفردات العنف والمهانة كالأشغال الشاقة والمؤبد مدى الحياة، وتقديم بدائل إصلاحية متطورة وإنسانية.
إن الاتجاه العالمي يسير بثبات نحو إلغاء الإعدام كأفق وحيد للمستقبل. أوروبا تفخر اليوم بخلوها من هذه العقوبة، والعالم بأسره سيلحق بها عاجلاً أم آجلاً. تدرك الدول والحكام هذه الحقيقة، وحتى أولئك الذين يفاخرون بنهضة بلدانهم، يجدون أنفسهم أمام مرآة الضمير والفشل الإنساني عند تنفيذ كل حكم إعدام.
وأختم كلمتي بما كتبته ميريد مغواير (الحائزة على جائزة نوبل للسلام 1976 وعضو المجلس الاستشاري لجامعة AUNOHR):  “إن الأمل بالمستقبل يعتمد على إدخال كل واحد منا اللاعنف في قلبه وعقله، وتنمية بني خلاقة معطاءة للجميع. قد يرى البعض في ذلك مثالية، لكني أؤمن بأنه واقعي للغاية؛ فالبشرية تتطور بسرعة نحو وعي أسمى. وللذين يظنون أن هذا التطور مستحيل، فلنتذكر أن البشرية ألغت العبودية سابقًا، واليوم لا تقل مهمتنا شأنًا عن إلغاء العنف، إلغاء الإعدام، وإلغاء الحرب”.
وختاما ، اقيمت حلقات حوار ناقشت عقوبة الاعدام وتفاصيلها وبثّ فيديو عن الموضوع.
Exit mobile version