بقلم// العميد الركن م. د. جوزف س. عبيد
بهذه الرؤية الاستراتيجية، التي صاغها الأدميرال الأميركي ألفرد ثاير ماهان قبل أكثر من قرن، يمكن قراءة ما يجري اليوم في مضيق هرمز بعيداً عن ضجيج التصريحات السياسية. فماهان لم يكن يتحدث عن البحر بوصفه مساحة جغرافية، بل باعتباره مركز ثقل القوة العالمية، حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية والعسكرية والسياسية، وحيث يُصنع ميزان القوى بين الدول.
منذ أن أعلنت إيران إغلاق مضيق هرمز، سارعت الولايات المتحدة إلى التأكيد أن المضيق لا يزال مفتوحاً وأن حرية الملاحة مستمرة. وأمام هذين الموقفين المتناقضين، بدا العالم وكأنه أمام حقيقتين متعارضتين. لكن في العلاقات الدولية، الحقيقة لا تُقاس بما يُقال في المؤتمرات الصحافية، بل بما يحدث فعلياً في الميدان.
إيران، عندما تعلن أن المضيق “مقفل”، لا تعني بالضرورة أن كل سفينة توقفت عن العبور، بل تريد أن تؤكد أنها تمتلك القدرة على تهديد هذا الشريان الحيوي، وأن أي حركة فيه تجري تحت تأثير قوتها العسكرية وحساباتها الاستراتيجية.
في المقابل، تؤكد الولايات المتحدة أن المضيق “مفتوح”، ليس لأنها تنفي وجود التهديد، بل لأنها تريد إثبات أن قواتها البحرية لا تزال قادرة على حماية حرية الملاحة ومنع فرض حصار كامل على أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وهنا لا تكون إحدى الروايتين كاذبة بالضرورة، بل إن كلاً منهما يتحدث من زاوية مختلفة؛ إيران تتحدث عن القدرة على التهديد وفرض الكلفة، فيما تتحدث الولايات المتحدة عن القدرة على إبقاء خطوط الملاحة قائمة وعدم السماح بانتصار استراتيجي لخصمها.
لكن الحكم الحقيقي لا يصدر من طهران ولا من واشنطن، بل من حركة السفن، ومن شركات النقل البحري والتأمين، ومن أسواق الطاقة العالمية. فإذا تراجعت حركة الناقلات، وارتفعت أقساط التأمين، وازدادت كلفة الشحن، فهذا يعني أن المضيق، حتى وإن لم يُغلق رسمياً، أصبح يؤدي وظيفة المضيق المغلق بالنسبة إلى الاقتصاد العالمي.
وهنا تتجلى عبقرية ماهان؛ فالصراع على مضيق هرمز ليس صراعاً على بضعة كيلومترات من المياه، بل على شريان يمر عبره قسم كبير من تجارة الطاقة العالمية. ومن ينجح في التحكم بهذا الشريان، أو حتى في تهديده بصورة مستمرة، يمتلك ورقة ضغط تتجاوز حدود المنطقة لتطال الاقتصاد والسياسة والأمن الدولي.
في السياسة قد تتضارب التصريحات، وفي الإعلام قد تتعدد الروايات، أما في علم الاستراتيجية فلا يُسأل من قال، بل من يسيطر. فالمضائق لا تحسمها البيانات، وإنما تحسمها موازين القوة، والإرادة، والقدرة على فرض الواقع.
وبين من يقول إن هرمز مفتوح، ومن يقول إنه مغلق، يبقى السؤال الحقيقي: من يملك اليوم السيطرة الفعلية على هذا الشريان البحري؟ لأن التاريخ، كما أثبت ماهان، لا يمنح النصر لمن يرفع صوته أكثر، بل لمن يفرض إرادته على البحر.
