الجزء الثاني من بحث : منهج الصراط المستقيم في التدبر القرآني العلمي ، الليل الكوني والمادة المظلمة نموذجًا/ بقلم محمد بسام شوكت كبارة

الجزء الثاني

القرآن الكريم والليل الكوني والمادة المظلمة
تمهيد

بعد أن عرضنا منهج الصراط المستقيم في التدبر القرآني العلمي، ننتقل إلى تطبيق هذا المنهج على إحدى القضايا الكونية التي ما تزال تشغل علماء الفيزياء والفلك، وهي ظاهرة المادة المظلمة والطاقة المظلمة.

ولا يقصد هذا البحث تفسير الآيات القرآنية تفسيرًا علميًا قطعيًا، ولا إخضاع النص القرآني للنظريات المتغيرة، وإنما يهدف إلى فتح باب التدبر في ضوء ما كشفه العلم الحديث، مع بقاء القرآن الكريم هو الأصل والمرجع، وبقاء العلوم البشرية اجتهادات قابلة للتطور.
ومن هنا فإن كل ما يرد في هذه الدراسة يمثل قراءة تدبرية، لا حكمًا نهائيًا في تفسير الآيات.
أولاً: الليل والنهار في القرآن الكريم

قال تعالى:
﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ ۖ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِّتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾
[الإسراء: 12].

أجمع المفسرون على أن الآية تبين تعاقب الليل والنهار وما يترتب عليه من مصالح الإنسان، من السكون والعمل، وحساب الزمن والسنين. إذ يقول السعدي:

“و تفسير السعدي
يقول تعالى: { وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ }- أي: دالتين على كمال قدرة الله وسعة رحمته وأنه الذي لا تنبغي العبادة إلا له.
{ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ }- أي: جعلناه مظلما للسكون فيه والراحة، { وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً }- أي: مضيئة { لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ } في معايشكم وصنائعكم وتجاراتكم وأسفاركم.{ وَلِتَعْلَمُوا } بتوالي الليل والنهار واختلاف القمر { عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ } فتبنون عليها ما تشاءون من مصالحكم.{ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا }- أي: بينا الآيات وصرفناه لتتميز الأشياء ويستبين الحق من الباطل كما قال تعالى: { مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ } ”

وهذا المعنى صحيح وثابت، غير أن التدبر لا يقف عند حدود بيان الوظيفة الظاهرة للليل والنهار، بل يمتد إلى التساؤل عن السنن الكونية التي أوجدها الله سبحانه وتعالى، وكيفية انتظامها بهذا الإحكام البديع.

ومن هنا فإن التفسير الموروث يبين المعنى المقصود من الآية، لكنه لا يستنفد جميع آفاق التدبر التي قد يكشفها تطور المعرفة الإنسانية.

ثانياً: هل يميز القرآن بين الليل الأرضي والليل الكوني؟

عند جمع الآيات المتعلقة بالليل والظلمة، يظهر أن السياقات ليست على مرتبة واحدة.

فمنها ما يتحدث بوضوح عن الليل الذي يعيشه الإنسان على سطح الأرض، كتعاقب الليل والنهار، وحركة الشمس والقمر.

ومنها آيات أخرى يرد فيها وصف السماء نفسها، كما في قوله تعالى:

﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾
[النازعات: 29].

فهذه الآية جاءت في سياق الحديث عن بناء السماء ورفع سمكها وتسويتها، مما يفتح باب التدبر في أن المقصود هنا هو ليل السماء، لا مجرد الليل الأرضي.

ولا يعني ذلك الجزم بأن الآية تشير إلى المادة المظلمة أو الطاقة المظلمة، وإنما يدل على أن القرآن يلفت النظر إلى ظاهرة كونية واسعة، ما زال العلم يكشف عن بعض جوانبها.

ثالثاً: سلخ النهار من الليل

قال تعالى:

﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾
[يس: 37].

وصف القرآن ذهاب النهار بلفظ السلخ، وهو تعبير بالغ الدقة في اللغة العربية، إذ يدل على نزع الغطاء عن الشيء.

وقد فهم المفسرون هذا التعبير على أنه تصوير بديع لتعاقب الليل والنهار.

ومع تطور علوم الفضاء، أصبح الإنسان يرى الأرض من خارج غلافها الجوي، فيشاهد بالفعل انتقال المنطقة المضيئة إلى الظلمة بصورة تشبه ما عبر عنه القرآن الكريم بلفظ السلخ.

وهذا لا يجعل الآية تفسيرًا لظاهرة علمية بعينها، ولكنه يبرز اتساع دلالتها وإمكان تجدد التدبر فيها كلما اتسعت معارف الإنسان.

رابعاً: ظلمة الكون

يقرر القرآن الكريم أن هناك أشياء يبصرها الإنسان، وأخرى لا يبصرها.

قال تعالى:

﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ ۝ وَمَا لَا تُبْصِرُونَ﴾
[الحاقة: 38-39].

وهذه الآية لا تحدد ماهية ما لا يبصره الإنسان، وإنما تفتح بابًا واسعًا للتأمل في عالم الغيب، وفي المخلوقات والسنن التي لم يصل إليها علم البشر بعد.

كما أن قوله تعالى:

﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾
[الحجر: 14].

يشير إلى تجربة العروج في السماء، وما يصاحبها من تغير في إدراك الإنسان، وهو ما يدعو إلى مزيد من التدبر دون تحميل النص ما لا يحتمله.
ونخلص إلى مايلي من آراء العلماء في هذا المجال ؛

أمًا وآن بحثنا يتعلق بمفهوم الطاقة المضلمة فاننا نستعرض أقوال أهل العلم فيم استخلصوه من تدبرهم للقرآن الكريم بهذا الشأن ونخص بالذكر شبكة الألوكة حيث أشارت إلى ما قاله القرآن عن ظلمة الأرض او الكوننقالت و المادة المظلمة باستفاضة كما يلي :

ظلمة الكون والمادة السوداء

﴿ وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ ﴾ [يس: 37].

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ ﴾ [الحاقة: 38]، ﴿ وَمَا لَا تُبْصِرُونَ ﴾ [الحاقة: 39].

السبق القرآني ( أضيف : هو علم يقين ) :
الإشارة إلى ظلمة الفضاء التي لم يشهدها الناس إلا مع غزو الإنسان للفضاء في نهاية الستينيات من القرن العشرين، وأيضًا الإشارة إلى وجود صور من المادة والطاقة التي لم تكن مرئية؛ مثل المادة السوداء، والطاقة السوداء.

شكل : ظلمة الكون خلف الجزء المضيء من النهار

 

ظلمة الفضاء:
آيات بينات:
﴿ فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴾ [الأنعام: 96]. ( أضيف: انها آية تتعلق بالاصباح والليل الأرضي )

﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ﴾ [الحجر: 14، 15]. ( وأضيف انها آية تتعلق بتسكير الأبصار أي عدم القدرة على الرؤية الكونية وليس الأرضية )

﴿ وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ ﴾ [يس: 37]. قد تكون وصفاً لليل الأرضي المؤقت وأيضًا لليل الكوني الدائم .

﴿ أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا ﴾ [النازعات: 27، 28]، ﴿ وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا ﴾ [النازعات: 29]. ( وأضيف :أن السياق يدل على وصف الليل الكوني .
– [ ] ونبين أن الفرق بين الليل الأرضي هو الذي يسلخ الله منه النهار ، و بين الليل والظلام الكوني الحالك الذي لايرى لأن ليله ساد وأن ضحاه أخرج فهو كالهواء لا يرى ولا يشم ولا يرتطم أي شيء به وإنما نلحظ آثاره ومن ضمنها أنه وسيلة من وسائل الجاذبية الأرضية بدليل أن القمر يفتقر الى الجاذبية بنسبة السدس لعدم وجود هواء في بيئته.

خامساً: بداية الربط مع المادة المظلمة

انطلاقًا من هذه الآيات، يرى الباحث أن من المشروع علميًا ومنهجيًا طرح سؤال تدبري:

هل يمكن أن تكون بعض الآيات التي تصف ظلمة السماء أو ما لا يُبصر، فاتحةً لباب من أبواب التأمل في المادة المظلمة أو الطاقة المظلمة؟

ولا يجيب البحث عن هذا السؤال بالإثبات القطعي، وإنما يقرر أن الباب مفتوح للتدبر، وأن تطور العلوم قد يساعد على فهم أوسع لبعض الدلالات الكونية، مع بقاء القرآن الكريم هاديًا للبحث، لا تابعًا للنظريات العلمية.

وهذا هو جوهر منهج الصراط المستقيم في التدبر القرآني الذي يقوم على الجمع بين احترام النص القرآني، واحترام المنهج العلمي، بأقصر الطرق.
دون خلط بين اليقين الإلهي والاجتهاد الإنساني.
ملخص ونتيجة :

وأضيف : ويجب ان نحترس عند وصف ما جاء في القرآن بأنه إعجاز علمي لأن القرآن حق مطلق أنزل من خالق الكون. والأفضل ان نقول أننا اكتشفنا بعض العلوم وهو إعجاز بالنسبة لنا لأن ما أوتينا من العلم إلا قليلاً ، وهذا الذي اكتشفناه قد يتوافق كلياً أو جزئياً مع آيات القرآن الكريم الذي يحوي علم يقين و حق يقين و يبشر المؤمنين و غيرهم بصيرورة علم اليقين القرآني أو حق اليقين ، عين يقين بمعنى الرؤية واللمس إن صح التعبير تصديقاً لما جاء في الآية
وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ النحل ٤٥ ) وفي الآيات التالية :
‎عِلْمُ الْيَقِينِ” و “عَيْنُ الْيَقِينِ”:
‎وردتا في سورة التكاثر، حيث قال تعالى:
* {كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ} [سورة التكاثر: 5] * {ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ} [سورة التكاثر: 7] [1, 2] ‎2. “حَقُّ الْيَقِينِ”:
‎وردت في موضعين بالقرآن، هما: [1] * {وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ} [سورة الحاقة: 51] * {إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ} [سورة الواقعة: 95]

 

يتبع في الجزء الثالث

Exit mobile version