بقلم// العميد الركن المتقاعد د. جوزف س. عبيد
بغضّ النظر عن موقع كلٍّ منا من مسألة الاتصال المباشر بين لبنان وإسرائيل، يبقى السؤال الحقيقي أعمق من مجرد تأييد أو رفض: بأي معيار تُتخذ القرارات المصيرية في هذا البلد؟
يُقال إن التفاوض يحتاج إلى إجماع وطني، وهذا قول صحيح في الشكل، لأن ما يُبنى عليه قد يرسم مستقبل البلاد لعقود. لكن، في المقابل، هل سُئل اللبنانيون يومًا عن الحروب التي خيضت باسمهم؟
هل اجتمعوا؟ هل ناقشوا؟ هل قرروا؟
الواقع يقول غير ذلك.
من حرب تموز، إلى ما سُمّي إسناد غزة، إلى الانخراط غير المباشر في صراعات مرتبطة بإيران، وصولًا إلى كل جولة تصعيد حتى اليوم… لم يكن هناك إجماع وطني واضح، ولا قرار جامع صادر عن مؤسسات الدولة. كانت القرارات تُتخذ في مكان، وتُنفّذ في مكان آخر، بينما يُترك اللبنانيون لمواجهة النتائج.
في لبنان، لا تُتخذ القرارات وفق قاعدة واحدة.
عندما تكون هناك قدرة على فرض واقع ميداني، يصبح القرار فعلًا لا نقاشًا. تُفتح الجبهات، وتُرسم خطوط النار، ويجد اللبناني نفسه داخل المعركة قبل أن يفهم أسبابها.
أما عندما يحين وقت إيقاف النزيف، ترتفع فجأة معايير الشرعية، ويُستدعى الإجماع الوطني كشرط لا يمكن تجاوزه.هذه ليست مفارقة عابرة، بل هي انعكاس لبنية مختلّة:
دولة موجودة بالنصوص، وغائبة في القرار، وقوة تملك القدرة على الفعل، لكنها لا تتحمل وحدها كلفة الإجماع.
الأخطر من ذلك أن لبنان لم يعد ساحة قرار داخلي فقط، بل أصبح جزءًا من مشهد إقليمي أكبر. ما يُسمّى “إسنادًا” هنا أو هناك، يرتبط بحسابات تتجاوز حدوده، ويُترجم فوق أرضه. وهنا يفقد النقاش الداخلي جزءًا من تأثيره، لأن ما يُرسم في الخارج يسبق ما يُناقش في الداخل.
لكن، رغم كل ذلك، لا يمكن تبرير الاستمرار في هذه المعادلة.
فلا الحرب يمكن أن تكون شأن طرف واحد،
ولا السلام يمكن أن يكون امتيازًا مشروطًا بموافقة الجميع.
إنها معادلة غير عادلة، وغير قابلة للاستمرار.
لبنان لا يُبنى على ازدواجية المعايير، بل على وضوحها.
فإما أن يكون قرار الحرب والسلم بيد الدولة، وبموافقة وطنية جامعة،
وإما أن يبقى البلد عالقًا في حلقة مفرغة:
حروب تُفرض عليه، وتسويات يُختلف عليها، وشعب يدفع الثمن في الحالتين.
الخلاصة:
المشكلة ليست في التفاوض بحد ذاته، ولا في رفضه،
بل في غياب معيار واحد يحكم الاثنين معًا.
وعندما يغيب هذا المعيار، لا تعود القضية قضية موقف،
بل تتحول إلى أزمة وطن… لا يزال يبحث عمّن يقرر باسمه.
