لقاء إعلامي بحث واقع الاستثمار في لبنان وتوقف عند ما جرى لخلف الحبتور

أجمع مشاركون في لقاء خُصّص لبحث واقع الاستثمار في لبنان وسبل استعادة الثقة الخليجية والعربية، على أن عودة الرساميل إلى البلاد لا يمكن أن تتحقق عبر الدعوات السياسية والمؤتمرات وحدها، بل تتطلب استقرارًا أمنيًا، وقضاءً فاعلًا، وإدارة حديثة، وضمانات قانونية تحمي المستثمرين من التهديد والابتزاز والتعطيل.

وتحدث في اللقاء كلّ من الكاتب والمحلل السياسي نضال السبع، والكاتب والصحافي أسعد بشارة، و مدير مكتب “العربية” سابقًا الكاتب السايسي جاد الأخوي، وعضو المكتب السياسي في التيار الوطني الحر وديع عقل، والنائب السابق رامي فنج.

وتوقف المشاركون عند تجربة رجل الأعمال الإماراتي خلف الحبتور في لبنان، معتبرين أن ما تعرّض له من حملات وتهديدات، وصولًا إلى اتخاذه قرارًا بإغلاق أعماله ومغادرة البلاد، شكّل خسارة اقتصادية مباشرة للبنان، ولا سيما أن هذا القرار أدى، بحسب ما ورد خلال اللقاء، إلى فقدان نحو 500 لبناني وظائفهم في مجموعة الحبتور.

وأشاروا إلى أن أي استهداف يطاول القيادة الإماراتية أو السعودية، أو شخصيات استثمارية خليجية، ينعكس سلبًا على صورة لبنان، ويدفع المستثمر إلى الشعور بأن البلاد لا توفر بيئة آمنة لرأس المال، الأمر الذي قد يؤدي إلى خروجه والبحث عن أسواق بديلة أكثر استقرارًا.

وفي هذا السياق، لفت المشاركون إلى أن الرئيس السوري أحمد الشرع استفاد من فرصة خروج الحبتور من لبنان، موجّهًا إليه دعوة لزيارة سوريا، بالتزامن مع اهتمام رسمي سوري باستقطاب استثماراته، وسط حديث عن مشاريع قد تؤمّن نحو 20 ألف فرصة عمل.

واعتبروا أن الاتصال الذي أجراه رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان برئيس الجمهورية العماد جوزاف عون يشكل إشارة إيجابية وفرصة مهمة يجب على لبنان التقاطها، من خلال اتخاذ خطوات فعلية لاستعادة الثقة، وحماية المستثمر الخليجي، وفتح قنوات تواصل جدية مع خلف الحبتور لمعالجة الخلاف القائم وتسويته بعيدًا من النزاعات القضائية المكلفة.

كما دعوا رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة إلى التحرك لمعالجة ملف الحبتور، معتبرين أن حضوره الاستثماري في أي بلد يشكل مؤشرًا إلى الاستقرار والثقة، وأن عودته إلى لبنان قد تحمل رسالة إيجابية إلى سائر المستثمرين العرب والأجانب.

وشدد المشاركون على أن الاستثمار ليس منحة ولا مكافأة سياسية، بل قرار اقتصادي يقوم على حساب المخاطر والعوائد، مؤكدين أن رأس المال لا يتحرك بدافع العاطفة، بل يبحث عن الاستقرار، والقانون، والإدارة الكفوءة، والقدرة على التنبؤ بالمستقبل.

وأكدوا أن لبنان يمتلك فرصًا استثمارية حقيقية، بفضل موقعه الاستراتيجي، وطاقاته البشرية، وقدرة قطاعه الخاص، وانتشاره الاغترابي، إضافة إلى إمكاناته في قطاعات التكنولوجيا والطاقة والسياحة والصحة والتعليم والصناعات الغذائية والخدمات اللوجستية وإعادة الإعمار.

إلا أنهم حذروا من أن هذه الفرص ستبقى غير قابلة للتنفيذ ما لم تُستعد الدولة القادرة على حمايتها، داعين إلى تنفيذ إصلاحات فعلية تشمل استقلال القضاء، وتحديث الإدارة، وتثبيت القوانين، وتعزيز الشفافية، ومكافحة الفساد، وتسريع اتخاذ القرارات.

ورأى المشاركون أنه لا يمكن مطالبة العالم بالثقة بدولة لا تحتكر قرار الحرب والسلم، ولا تستطيع فرض القانون على الجميع، معتبرين أن وجود دولة واحدة وسلطة واحدة وسلاح واحد وقضاء واحد ليس مطلبًا سياسيًا لفريق ضد آخر، بل شرطًا أساسيًا لأي اقتصاد يريد جذب الاستثمارات وتأمين مستقبل شبابه.

كما شددوا على أن المستثمر يحتاج إلى ضمانة سياسية تؤكد أن لبنان اختار نهائيًا منطق الدولة، ولن يتحول مجددًا إلى ساحة للصراعات الإقليمية أو التقلبات الأمنية التي تهدد المشاريع الاقتصادية.

وتناول اللقاء أيضًا أزمة الودائع المحجوزة في المصارف اللبنانية، حيث أُشير إلى أن جزءًا كبيرًا منها يعود إلى مودعين عرب وسوريين وعراقيين وأجانب، إضافة إلى لبنانيين ومغتربين، وأن معالجة هذا الملف تشكل مدخلًا أساسيًا لاستعادة الثقة وإعادة تحريك الاستثمارات.

ولفت المشاركون إلى وجود عقارات ومصالح عائدة إلى مستثمرين خليجيين لا تزال موضع نزاعات أو إشغالات منذ سنوات طويلة، في ظل بطء المعالجات القضائية، معتبرين أن هذه الملفات تسيء إلى صورة لبنان وتمنع عائلات عربية من العودة إليه والإقامة والاستثمار فيه.

وأكدوا أن أزمة الحبتور يجب أن تُعامل كجرس إنذار للسلطتين السياسية والقضائية، لأن الاستثمار لا يأتي بمجرد تنظيم مؤتمر أو إطلاق وعود، بل يحتاج أولًا إلى الأمن، وثانيًا إلى قضاء يحمي الحقوق ويبتّ النزاعات ضمن مهل معقولة.

وتوقف المشاركون عند أهمية حرية الإعلام في لبنان، مع التشديد في الوقت نفسه على أن الحرية لا تعني السماح بالشتم أو الابتزاز أو فتح منابر للتشهير بالمستثمرين والشخصيات العربية، داعين إلى التمييز بين النقد المشروع والحملات التي تهدف إلى التخويف أو الابتزاز أو تعطيل المشاريع.

وطالبوا بوضع إطار قانوني واضح يحمي المستثمرين اللبنانيين والعرب من أي اعتداء أو تحريض أو تهديد، وملاحقة كل من يحاول تخويفهم أو ابتزازهم خارج سلطة القانون، معتبرين أن الدولة التي لا تحمي الاستثمار لا تحمي اقتصادها ولا مصالحها.

واقترح المشاركون إنشاء مكتب وطني لخدمة المستثمر، يعمل بصفته نافذة موحدة تختصر المعاملات وتنسّق بين الإدارات وترافق المستثمر منذ طرح الفكرة وحتى تشغيل المشروع، بدل تركه أسير التعقيدات والروتين وتضارب الصلاحيات.

وفي السياق نفسه، شددوا على ضرورة إعادة بناء الثقة بالقطاع المصرفي، لأن أزمة الودائع لم تفرّق بين لبناني وعربي أو بين مستثمر صغير وكبير، ولا يمكن تجاوزها بالإنكار أو الوعود العامة، بل تحتاج إلى خطة واضحة تعيد الحقوق تدريجيًا وتحفظ مصالح المودعين.

كما برزت خلال اللقاء دعوة إلى تفعيل المقومات الاقتصادية في شمال لبنان، وخصوصًا معرض رشيد كرامي الدولي، ومرفأ طرابلس، والمنطقة الاقتصادية الخاصة، ومنشآت النفط، ومطار القليعات، باعتبارها عناصر يمكن أن تشكل، ضمن رؤية متكاملة، منصة لوجستية وتجارية واستثمارية تربط لبنان بالعالم العربي وشرق المتوسط.

وأكد المشاركون أن العلاقات مع الدول العربية ليست مجاملة دبلوماسية، بل جزء أساسي من تكوين لبنان الاقتصادي والثقافي والوجداني، مشددين على أن الدول العربية كانت حاضرة في مراحل إعادة النهوض بعد الأزمات والحروب، وأن أي خطاب يشيطن المستثمر العربي يضر بصورة لبنان ويغلق أبوابًا هو في أمسّ الحاجة إليها.

كما دعوا الدول العربية إلى تسهيل إجراءات دخول اللبنانيين، بالتوازي مع مطالبة الدولة اللبنانية بتحمل مسؤولياتها في ضبط الحدود، ومكافحة تهريب المخدرات، ومنع تسلل العناصر التخريبية، بما يعيد بناء الثقة المتبادلة ويمهّد لعودة السياح والمستثمرين.

وأكد المشاركون أن لبنان لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى دولة تعرف ماذا تريد، وإدارة حديثة، وقضاء مستقل، ومؤسسات لا تتبدل مع المزاج السياسي، ورسالة واضحة إلى المستثمر العربي مفادها أن حقوقه ليست منّة، بل حق يحميه القانون.

وخلص اللقاء إلى أن إعادة إعمار لبنان وإنعاش اقتصاده ليست مهمة الدولة وحدها أو المستثمر وحده، بل مسؤولية مشتركة تتطلب تجاوز الانقسامات، ووضع المصلحة الوطنية فوق الحسابات السياسية والمذهبية والمناطقية، والانتقال من اقتصاد الأزمات إلى اقتصاد الفرص والإنتاج.

Exit mobile version