ارفعوا أيديكم عن المؤسسة العسكرية وقائدها

منذ عام 1943 حتى اليوم، انقسمنا على كل شيء. اختلفنا على السياسة، وعلى السلطة، وعلى الخيارات الكبرى والصغرى، ولم يجمعنا في معظم المراحل إلا المصائب. واليوم، كأننا نضيف انقسامًا جديدًا إلى سجل الانقسامات الطويل: الانقسام على المؤسسة العسكرية وقائدها.
ارفعوا أيديكم عن الجيش وقائده. فهذا الهيكل، مهما اختلفنا حول كل ما عداه، يبقى آخر ما تبقى من دعائم الدولة. وإذا اهتزت هذه الدعامة الأخيرة، سقط الحاجز الأخير، وانكشفت البلاد على فراغ خطير لا يرحم.
المؤسسة العسكرية ليست حزبًا، ولا فريقًا سياسيًا، ولا ورقة في بازار المزايدات. هي آخر ما يجمع اللبنانيين تحت علم واحد وقسم واحد، في دولة أنهكتها الانقسامات وأثقلتها الأزمات.

ما نشهده اليوم من سجالات، بين من يطالب بالاستقالة، ومن يرفضها، ومن يلوّح بالإقالة أو يروّج لأسماء بديلة، لا يبقى في حدود الأشخاص، بل يضرب هيبة المؤسسة نفسها. وعندما تتحول القيادة إلى مادة صراع سياسي مفتوح، يصبح الاستقرار كله على المحك.

قائد الجيش عُيّن بمرسوم، ولا يغادر موقعه إلا بمرسوم يصدر وفق الأصول الدستورية. أما الحديث عن استقالة تُفرض بالضغط أو الإيحاء أو الحملات الإعلامية، فليس سوى طرح خارج منطق الدولة. في تاريخ لبنان، لم تكن قيادة الجيش يومًا رهينة مزاج سياسي أو حملة شعبوية، بل خاضعة فقط للدستور.

الخيل لا تصول ولا تجول من دون خيّالها، والمؤسسات لا تبقى متماسكة إذا تحولت قياداتها إلى ساحات تصفية حساب. وأي شرخ في رأس المؤسسة سرعان ما يمتد إلى جسدها، والجسد إذا تمزق، يصبح مكشوفًا أمام كل العواصف.

لبنان اليوم لا يحتمل مغامرات إضافية. يكفيه ما يرزح تحته من أزمات اقتصادية ومالية واجتماعية، وما يحيط به من مخاطر إقليمية متحركة. لذلك، فإن حماية المؤسسة العسكرية ليست موقفًا سياسيًا، بل واجب وطني يتقدم على كل الحسابات.

من أراد الإصلاح، فليبدأ بإصلاح الدولة ومؤسساتها، لا بإضعاف آخر ركائزها. ومن أراد إنقاذ لبنان، فليُبْعِد الجيش عن التجاذبات، لأنه يبقى الضمانة الأخيرة لوحدة الأرض والشعب.

قد يختلف اللبنانيون على كل شيء، لكن لا يجوز أن يختلفوا على حماية ما تبقى من الدولة. فحين يسقط آخر الحواجز، لا يعود السؤال من انتصر ومن خسر، بل كيف ضاع الوطن من الجميع.

Exit mobile version