بهذه الإدارة نتجه حتمًا نحو الإفلاس!

بقلم// العميد الركن المتقاعد د. جوزف س. عبيد 

بعد الاطلاع على الضرائب والرسوم الجديدة التي تُطل علينا بين الحين والآخر، لا يسع المواطن إلا أن يتساءل: هل المشكلة فعلًا في نقص الأموال، أم في طريقة إدارة الأموال؟ وهل ما نعيشه هو أزمة موارد، أم أزمة إدارة وقرار؟

الحقيقة التي أثبتتها التجارب في مختلف أنحاء العالم هي أن الدول لا تفلس لأنها فقيرة فقط، بل لأنها تُدار بطريقة خاطئة. فهناك دول تملك موارد محدودة جدًا، ومع ذلك نجحت في بناء اقتصادات قوية بفضل الإدارة الرشيدة والشفافية والمحاسبة. وفي المقابل، هناك دول تملك ثروات وموارد هائلة لكنها غرقت في الأزمات بسبب سوء الإدارة والهدر والفساد.

في لبنان، يبدو أن السلطة لا تزال تتعامل مع المواطن على أنه الحل الأسهل لكل مشكلة مالية. كلما ظهر عجز في الخزينة، يُطرح رسم جديد أو ضريبة جديدة أو زيادة جديدة. وكأن جيب المواطن هو المورد الوحيد المتبقي للدولة، وكأن الناس ما زالوا يعيشون في بحبوحة اقتصادية تسمح لهم بتحمل المزيد من الأعباء.

لكن الواقع مختلف تمامًا. فالمواطن اللبناني يعيش منذ سنوات تحت ضغط غير مسبوق. الرواتب فقدت جزءًا كبيرًا من قيمتها، والأسعار ارتفعت بشكل جنوني، والخدمات الأساسية أصبحت عبئًا إضافيًا على الأسر. المواطن يدفع للكهرباء والمياه والاستشفاء والتعليم والاتصالات والنقل، وغالبًا ما يدفع مرتين للحصول على الخدمة نفسها، مرة للدولة ومرة لتعويض غياب الدولة.
وسط هذا الواقع، يصبح من الطبيعي أن يطرح الناس سؤالًا مشروعًا: هل استنفدت الدولة فعلًا كل مصادر الإيرادات الأخرى؟

ماذا عن الأملاك البحرية التي شُغلت واستُثمرت لعقود طويلة؟ ماذا عن التعديات على الأملاك العامة؟ ماذا عن التهرب الضريبي الكبير الذي تمارسه جهات تملك من الإمكانات ما يكفي لتوظيف جيوش من المحاسبين والمحامين للتهرب من دفع ما عليها؟ ماذا عن الاحتكارات التي راكمت أرباحًا طائلة على حساب المواطنين؟ وماذا عن مزاريب الهدر التي يعرفها الجميع والتي استنزفت مليارات الدولارات على مدى سنوات طويلة؟

هذه الأسئلة ليست شعبوية، بل هي جوهر أي نقاش جدي حول المالية العامة. لأن الدولة التي تبحث عن الإيرادات تبدأ أولًا بإقفال منافذ الهدر، واسترداد حقوقها، وتحصيل مستحقاتها، وتفعيل الرقابة والمحاسبة. أما الدولة التي تقفز مباشرة إلى جيب المواطن، فهي تختار الطريق الأسهل لا الطريق الصحيح.

الأخطر من ذلك أن الإفراط في فرض الضرائب في اقتصاد منهك لا يؤدي بالضرورة إلى زيادة الإيرادات. فعندما تضعف القدرة الشرائية ويتراجع الاستهلاك وتتقلص الأعمال والاستثمارات، تنكمش الحركة الاقتصادية، فتتراجع الإيرادات مجددًا. وهكذا ندخل في حلقة مفرغة: ضرائب أعلى، اقتصاد أضعف، إيرادات أقل، ثم ضرائب إضافية.

إن الإدارة الاقتصادية الناجحة لا تقوم على مبدأ “كيف نجبي المزيد”، بل على مبدأ “كيف نُنمّي الاقتصاد ليُنتج المزيد”. هناك فرق كبير بين دولة تبحث عن شريك اقتصادي في المواطن، ودولة تنظر إليه على أنه ممول دائم لعجزها وأخطائها.

وما يزيد القلق أن معظم اللبنانيين لم يعودوا يرون خطة واضحة للخروج من الأزمة. فالضرائب تُفرض، والرسوم ترتفع، والأسعار تزداد، لكن الإصلاحات الحقيقية ما زالت غائبة. لا محاسبة جدية للفاسدين، ولا استرداد فعلي للأموال المهدورة، ولا تحديث للإدارة، ولا رؤية اقتصادية متكاملة تعيد الثقة وتستقطب الاستثمارات وتخلق فرص العمل.

لذلك فإن الخوف الحقيقي ليس من ضريبة جديدة هنا أو رسم إضافي هناك، بل من العقلية التي تقف خلف هذه القرارات. فالعقلية التي ترى في المواطن الحل الوحيد لكل مشكلة مالية هي عقلية تقود البلاد إلى طريق مسدود. وعندما يصبح الجباية هدفًا بحد ذاتها بدل أن تكون جزءًا من سياسة اقتصادية متوازنة، فإننا نكون أمام إدارة لا تعالج أسباب الأزمة بل تكتفي بنقل كلفتها إلى الناس.

لهذا السبب، فإن السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس: كم ضريبة جديدة ستُفرض؟ بل: لماذا ما زلنا نُدار بالطريقة نفسها التي أوصلتنا إلى الانهيار؟ ولماذا يُطلب من المواطن أن يدفع ثمن الفشل مرة بعد مرة، فيما تبقى الملفات الكبرى عالقة، والمصالح النافذة محصنة، ومصادر الإيرادات الحقيقية خارج دائرة المعالجة؟

إذا استمرت الدولة في الاعتماد على الجباية بدل الإصلاح، وعلى الرسوم بدل التنمية، وعلى تحميل المواطن مسؤولية كل عجز بدل معالجة أسبابه، فإننا لا نسير نحو التعافي كما يُقال لنا، بل نحو تعميق الأزمة. فالإفلاس لا يبدأ عندما تنفد الأموال فقط، بل عندما تعجز الإدارة عن رؤية الحلول خارج جيوب الناس.

وعندها يصبح السؤال الأخير والأكثر إيلامًا: هل نعاني فعلًا من نقص في الموارد، أم من نقص في الإرادة لإدارة هذه الموارد بعدالة وكفاءة؟ لأن الفرق بين الأمرين هو الفرق بين دولة تبحث عن الإنقاذ، ودولة تسير، عن قصد أو عن عجز، نحو الإفلاس.

Exit mobile version