بقلم// محمد الحسن
يحتل ملف اتفاق الاطار بين لبنان والجانب الاسرائيلي برعاية اميركية مساحة النقاش السياسي من خلال المواقف المعلنة ومن خلال المداولات التي تجري في الكواليس على وقع استمرار اطلاق النار عمليا والذي بات يشكل نقطة ضعف في متن الاتفاق، في مساره وقوته وقدرته على ان يكون مقنعا للبنانيين المؤيدين للاتفاق منهم والمعارضين .
ابرز المواقف المعارضة وما يمكن ان نعتبره انه الحد الفاصل والمانع كلام رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي وصف اتفاق واشنطن بالاملاءات، وانه أسوأ بعشر مرات من اتفاق 17 أيار، وقال: “عشر مرات 17 أيار ولا هيدا الاتفاق”، داعيا إلى “عدم الانجرار إلى أي تحركات في الشارع أو ردود فعل قد تُستغل لإدخال البلاد في دوامة من الفوضى والاقتتال الداخلي”.
وأضاف أن مواجهة الاتفاق يجب أن تبقى ضمن الأطر الدستورية والسياسية والوطنية، وأن وزراء حركة أمل لن يقاطعوا أي جلسة لمجلس الوزراء يُطرح فيها الاتفاق، وقال: “هناك نواجه ويكون لنا موقفنا، والاتفاق لن يمشي، ولن يُنفَّذ، هيك منّو لحالو لن ينفّذ”.
كما رأى بري أن أي محاولة لفصل الملف اللبناني عن المسار الاميركي الايراني ، أو الذهاب إلى تفاوض منفرد مع إسرائيل، لن تؤدي إلا إلى إطالة أمد الاحتلال، معتبرا أن “الفرصة الواقعية الوحيدة المتاحة أمام لبنان اليوم لانتزاع حقوقه وإلزام إسرائيل بالانسحاب الكامل تكمن في المسار التفاوضي الأميركي – الإيراني”.
وعلى مدى ايام عبر حزب الله في مواقف عدة عن رفضه المتنامي للاتفاق حيث سجلت مواقف نيابية في كتلة الحزب اعتراضا على اداء الوفد اللبناني الى حد القول ان “الوفد الإسرائيلي كان يفاوض نفسه في واشنطن، بل كان يفاوض وفدًا سياسيًّا يتماهى مع أطماع إسرائيل ويجاريه في مخططاته التي تستهدف سيادة لبنان وشريحة كبرى من اللبنانيين”.
حزب الله وفي الموقف عينه اعتبر ان ابن البلد بات يتفق مع العدو الإسرائيلي ضده، ويلتزم بما يسمى بالسلام وإنهاء حالة العداء مع الصهاينة وان الاتفاق الذي وقِّع في الوقت الذي ارتقى ستة شهداء، هو حبر على الورق، لن يبصر النور، وانتهت مفاعيله قبل أن يجف حبره”.
حركة امل لم تحجم قبل كلام الرئيس بري عن اطلاق المواقف من الاتفاق اذ اعتبرت ان “اخطر ما فيه انه اطلق يد العدو الاسرائيلي في البقاء على احتلاله للاراضي اللبنانية وان هناك شبه تخل عن مزارع شبعا وتلال كفرشوبا الامر الذي يخالف المادة الثانية من الدستور اللبناني.
في المقابل عاودت ايران الدفع بتاثيرها على تطورات الامور في لبنان واعلنت التمسك بدورها في اتفاق وقف النار في لبنان وحيث عبر وزير خارجيتها عباس عراقجي عن موقف بلاده في هذا الخصوص مشددا أنّه “على إسرائيل الانسحاب من المناطق التي تحتلها في لبنان ووقف هجماتها، مخاطبا الحكومة الأمريكيّة ومحملا اياها مسؤولية ذلك ،
وبعد ظهر امس تلقى الرئيس نبيه بري اتصالا من نظيره الايراني محمد باقر قاليباف اكد من خلاله الاخير على ان إنهاء الحرب وصون سيادة لبنان جزء أساسي من البند الأول من مذكرة التفاهم وان هدف ايران إنهاء الحرب في لبنان وعودة النازحين وانسحاب الكيان الصهيوني ونتابع ذلك بجدية وابلغ قاليباف بري انه تقرر في محادثات سويسرا إنشاء وحدة لمراقبة النزاع بمشاركة إيران وأميركا ولبنان.وبالطبع فان ايران من خلال موقف مسؤوليها تسعى للتاكيد على انها صاحبة الفضل في التوصل الى وقف النار والايحاء بالتالي بان اتفاق الاطار استسلام ولا يقدم منفعة للبنان بل لاسرائيل، ولا وقف لاطلاق النار في لبنان.
ومع عودة الاعتداءات الايرانية على عدد من الدول العربية صدرت مواقف عدة دانت الاعتداءات على البحرين والكويت مؤكدة انها بمثابة انتهاك صارخ لسيادتهما ، وياتي هذا التطور الدراماتيكي على ارض الواقع ليضع حتى الاتفاق الاميريكي الايراني في مازق من دون ان يصير مازقا حرجا، وبالتالي ليشكل ضغطا على المفاوضات اللبناينة الاسرئيلية وعلى مصير وقف النار خاصة اذا شهدت الامور توترا اضافيا بين طهران وواشنطن.
ويحضر هنا كلام الرئيس الاميركي دونالد ترامب الذي حذر عبر منصته “تروث سوشال” بأن إيران “ستزول من الوجود” في حال وجدت الولايات المتحدة نفسها مضطرة لاستئناف الحرب، متهما طهران بانتهاك وقف إطلاق النار.
وبالطبع ومع استمرار اطلاق النار وسقوط المزيد من الشهداء استنفرت الحكومة اللبنانية امكاناتها للدفع نحو تحقيق هذا الجانب من الاتفاق خاصة مع الاعلان مرارا عن جهود الجيش وتوجهاته في منطقة العمليات الساخنة امنيا وعكسريا في الجنوب وحيث عملت وحداته على تفكيك عبوات وقنابل طيران غير منفجرة من مخلفات العدوان كما تعمل وحدات أخرى من الجيش على مواكبة أعمال الوزارات المختصة لفتح الطرقات وإعادة تأهيل البنى التحتية في عدد من المناطق الجنوبية المتضررة.
على ما ينص اتفاق الاطار؟
في الواقع يتحدث الإطار بوضوح عن إعادة انتشار مرحلية ومتحقَّق منها تنتهي بانسحاب القوات الإسرائيلية من كامل الأراضي اللبنانية، ولا يتضمن أي اعتراف بمنطقة أمنية إسرائيلية دائمة، أو “منطقة أمنية موسعة”، أو بحق إسرائيل في الإبقاء على وجودها العسكري داخل لبنان إلى أجل غير مسمى.
كما أن الإطار يؤكد أن سيادة لبنان على كامل أراضيه حقّ أصيل، وأن القوات المسلحة اللبنانية هي الجهة الحصرية المخوّلة تولّي مسؤولية الأمن والدفاع، ولا يجعل ممارسة هذه السيادة أو انتشار الجيش اللبناني رهناً بإذن أو سماح من إسرائيل.
كذلك، ينص الإطار على أن إنشاء المناطق التجريبية يتم باتفاق متبادل بين الأطراف المعنية، وليس بناءً على قرار أو توصية إسرائيلية أحادية، كما يربط عودة المدنيين اللبنانيين ببسط سلطة الدولة اللبنانية، وليس باستمرار السيطرة العسكرية الإسرائيلية.
نتنياهو واستعراضاته
ومع كلام رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو أن قوات بلاده ستبدأ بالانسحاب من المناطق التجريبية بقريتي زوطر الغربية وفرون في جنوب لبنان ، وتاكيده بقاء القوات الإسرائيلية في ما يسمى المنطقة الأمنية العازلة، وتشديده على تمسك إسرائيل بـ “حرية العمل العسكري” الكاملة للرد على أي تهديد، “إذا تطلب الأمر ذلك، وإذا شكل حزب الله خطرا فسنضربه بقوة”. مع هذا الكلام بدهيه التسليم بأن أي إطار يُراد له أن يشكل أساساً لسلام مستدام يجب أن يُفسَّر ويُنفَّذ وفق نصوصه الصريحة، لا وفق تصريحات سياسية(كما فعل نتنياهو) تُعيد تفسيره أو تُضفي عليه مضامين لم يتضمنها.
هل انتهت الحرب؟
يدور في هذا الوقت حوار عما إذا كان الاتفاق يمثل بالفعل إنجازًا لإسرائيل، وفي القراءات اشارات الى ان إسرائيل لا تزال تحقق مكتسبات تريدها لا سيما لجهة تمركزها داخل “المنطقة الصفراء”، ما يمنح وجودها نوعًا من “الشرعية” نتيجة موافقة الدولة اللبنانية على الاتفاق. كما لا يزال ممنوع على سكان المناطق الواقعة داخل هذه المنطقة من العودة إليها، وهو ما تعتبره إسرائيل مكسباً أمنيًا، وما قد يطيل أمد بقاء القوات الإسرائيلية في تلك المناطق.
الا انه ووفق اراء معارضة في الداخل الاسرائيلي فإن الحرب لم تحقق أهدافها الأساسية، إذ لم تتمكن إسرائيل من القضاء على حزب الله أو إنهاء قدراته العسكرية. وهي وبعد مرور نحو ألف يوم على اندلاع حرب السابع من أكتوبر، لم تنجح في إنهاء الحروب على مختلف الجبهات، سواء في لبنان أو غزة أو في مواجهة المشروع النووي الإيراني، وهو ما يجعل الحديث عن مكتسباتها موضع شك حتى داخل إسرائيل نفسها.
