وليد معن كرامي معلقاً على “إتفاق الإطار”: كيف تستقيم السيادة مع وثيقة تمنح الطرف المقابل دوراً أحادياً في تحديد شروط الانسحاب وآليات التحقق منه؟

صدر عن المهندس وليد معن كرامي البيان الآتي:

إن تقديم “مذكرة التفاهم الإطارية” الموقّعة في واشنطن كخطوة نحو استعادة السيادة اللبنانية هو قراءة سطحية تتجاهل جوهرها الخطير.
فكيف تستقيم السيادة مع وثيقة تمنح الطرف المقابل دوراً أحادياً في تحديد شروط الانسحاب وآليات التحقق منه؟

والوثيقة بنصوصها تؤكد هذا الخلل.
فالبند الأول يقرّ بحق إسرائيل، الكيان المحتل للأرض والمقدسات، في الوجود بسلام، من دون أي إقرار مقابل بالحدود اللبنانية المعترف بها دولياً، أو بالانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية المحتلة، أو بوقف الانتهاكات الإسرائيلية للسيادة اللبنانية والاعتداءات المتكررة عليها.
أما البند الثاني فيربط الانسحاب الإسرائيلي بمراحل وآليات للتحقق مرتبطة بملفات داخلية، بما يجعله مشروطاً باستكمال ترتيبات غير محددة الأفق، ويمنح إسرائيل عملياً القدرة على إطالة أمد وجودها العسكري داخل الأراضي اللبنانية، وبالتالي تأخير عودة المهجرين قسراً إلى قراهم وإعادة إعمارها.

ويزيد من خطورة ذلك إحالة آليات التنفيذ والتحقق إلى *ملحق أمني لم يُعلن عن مضمونه*، رغم أنه يُشكّل جزءاً أساسياً من آلية تطبيق الاتفاق، ويتضمن تعهداً من الحكومة اللبنانية بـ”تحقيق نزع السلاح الكامل والموثق لجميع الجماعات المسلحة غير الحكومية، وضمان عدم امتلاكها أي دور عسكري أو أمني”.
وتفتح هذه الصياغة الباب أمام توظيف هذا الالتزام لاستهداف أفراد في المؤسسات العسكرية والأمنية بذريعة التعاون أو التقصير، وهو ما يتقاطع مع ما ورد في دراسة صادرة عن معهد ألما الإسرائيلي، أعدّها ساريت زهافي وتال بئيري, ودعت صراحة إلى “حملة تطهير شاملة داخل الجيش اللبناني وجميع الأجهزة الأمنية، بما فيها المعابر الحدودية”.

أما البند الثالث عشر فيُلزم لبنان بوقف متابعة الاحتلال في المحافل السياسية والقانونية الدولية، بما يُجرّد الدولة اللبنانية من إحدى أهم أدوات الدفاع عن حقوقها.
وهذا ليس سلاماً بل مسار استسلام كامل.

ويزيد من خطورة هذه الوثيقة أنها تتجاوز المرجعية الوطنية التي أرساها اتفاق الطائف، والذي نصّ صراحة على أن استعادة سلطة الدولة حتى الحدود المعترف بها دولياً تقوم على تنفيذ قرارات الشرعية الدولية، كما شدد على اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لتحرير الأراضي اللبنانية المحتلة، وبسط سيادة الدولة على كامل أراضيها، ونشر الجيش اللبناني حتى الحدود المعترف بها دولياً.
كما لا تشير إلى اتفاق الهدنة الموقّع عام 1949، الذي لا يزال يشكّل الإطار القانوني الناظم للعلاقة بين لبنان وإسرائيل.

فضلاً عن ذلك، لا تملك أي حكومة لبنانية تفويضاً بالانفراد عن الإطار العربي الجامع.
فقد أقرت جامعة الدول العربية من بيروت مبادرة السلام العربية عام 2002، التي جعلت أي تسوية مشروطة بالانسحاب الكامل من الأراضي العربية المحتلة عام 1967 وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وفق حل الدولتين.

وما طُرح في واشنطن يتجاوز هذا الإطار، بل ويتناقض معه، بما يحوّله إلى غطاء لإدارة الاحتلال بدلاً من إنهائه.

والخطر لا يقتصر على ما تتضمنه هذه الوثيقة، بل يمتد إلى ما تُفضي إليه. فأي اتفاق يُوقَّع باسم لبنان دون توافق وطني جامع لا يُنهي الصراع، بل ينقله إلى الداخل.
ولبنان الذي عرف ويلات الانقسام يعلم أن الوحدة الوطنية ليست ترفاً سياسياً، بل شرطاً أساسياً لحماية الدولة والسلم الأهلي.
وما يُبنى على تجاوز الإجماع الوطني لا يصمد، لأن السيادة لا تُصان بمعزل عن ميثاق العيش المشترك.

وبناءً على ما تقدم، ووعياً منا بأن الصمت في وجه مثل هذه الوثيقة هو تواطؤ معها، فإننا ندعو إلى تضامن وطني واسع عابر للمناطق والطوائف، للتصدي لهذا المسار وكشف تناقضاته، والعمل على إجهاضه سياسياً وقانونياً قبل أن يُفرض كأمر واقع، والإقرار من قبل جميع اللبنانيين بمرجعية الدولة وحدها، ووقف ازدواجية المواقف، وحصر السلاح بيد الجيش اللبناني باعتباره الضمانة الوحيدة لاحتكار الدولة قرار السلم والحرب.

وخلاصة القول إن السيادة ليست شعاراً سياسياً ولا صياغة إعلامية، بل منظومة متكاملة من الحقوق والالتزامات تُصان بالمؤسسات والتوازن والوعي الوطني.

ومن يوقّع باسم الدولة لا يملك حق التفريط بها، لأن السيادة مسؤولية وطنية جامعة، لا تُختزل بإرادة فردية أو إملاءات خارجية.

Exit mobile version