زخور: المطالبة بوحدة المعايير والمساواة أمام القانون لا تُعد تدخلاً في القضاء

إعتبر المرشح لعضوية مجلس نقابة المحامين في بيروت المحامي أديب زخور، وزملاؤه في تجمع الحقوقيين للطعن وتعديل قانون الإيجارات، رداً على “الأقوال المغرضة من بعض المالكين التي نربأ عنها وعن الرد عليها والتي تجرح دون وجه حق بالمحامين وبرسالتنا وتخرج عن الإطار القانوني للرد، في كل مرة نزور بها رئيس مجلس القضاء الأعلى الذي يبقى بابه مفتوحاً للجميع، وتشكل تدخلاً لعرقلة مهنتنا ورسالتنا التي تدخل صلبها إبداء الرأي القانوني والدفاع عن الحقوق وتحقيق رسالة العدالة، إلا أننا سنوضح بعض النقاط للرأي العام، لعدم التضليل، حيث ما يعتبره البعض تدخلاً في القضاء هو يدخل ضمن أدائنا لرسالتنا والتعاون مع السلطة القضائية لتحقيق العدالة، حيث تنص المادة الأولى من قانون تنظيم مهنة المحاماة على أن: المحاماة مهنة ينظمها هذا القانون وتهدف إلى تحقيق رسالة العدالة بإبداء الرأي القانوني والدفاع عن الحقوق كما نصت المادة 2 من ذات القانون: تساهم المحاماة في تنفيذ الخدمة العامة ولهذا تولي من يمارسها الحقوق والحصانات والضمانات التي ينص عليها القانون كما تلزمه بالموجبات التي يفرضها. ويقول النقيب والمحامي الفرنسي Henri Robert:

Le magistrat et l avocet sont les deux serviteurs d une meme” justice” “القاضي والمحامي هما خادمان لعدالة واحدة”.

مجموعة الخطب المهنية للمحامي والنقيب الفرنسي henri Robert، les discours et plaidoyers

وبالرغم من المبالغة في الافتراءات والخروج عن الرد القانوني، إلا أننا سنتابع أداء رسالتنا بأمانة وفي أحلك الظروف وأصعبها، حيث ستبقى مهنة المحاماة مع القضاء جناحا العدالة، وسنكون المتراس الأول للدفاع عن الحريات العامة والخاصة وصون الوطن على الصعيد التشريعي والقانوني والعين الساهرة في إبداء الرأي وفي الإضاءة على المخالفات على جميع الصعد بغية تأمين تطبيق صحيح وعادل ومتوازن للعدالة في كافة المرافق وأمام كافة المحاكم، ولا يمكن تصور مهنة المحاماة إلا بتكاملها وتعاونها مع السلطة القضائية من أجل تطبيق عادل للقوانين ومنها قانون الإيجارات وغيرها من القوانين، حيث يسعى البعض لترك التناقض والأخطاء في الأحكام بغية الاستفادة منها ومن وقف القانون والتي تصب في مصلحتهم بالاسقاط والتهجير الجماعي ومن مصلحتهم عدم رؤية استقامة الاجتهاد وتوحيد المعايير، ويقول العلامة Pierre Truche:

“La justice est une œuvre commune du juge et de l’avocat”

“إن العدالة هي عمل مشترك بين القاضي والمحامي”.

وهذا ما يتكامل مع التوجه القانوني التقليدي الفرنسي الذي يعتبر أن القضاء والمحاماة جناحا العدالة، متكاملان لتحقيق العدالة، وليسا سلطتين متواجهتين حيث يسعى بعض المالكين لإظهارها على عكس الحقيقة لمصالح خاصة، حيث إن استقلال القضاء لا يعني انعزاله عن المحاماة بل إن حسن سير العدالة يفترض تعاوناً بناء بين القاضي والمحامي، فالأول يطبق القانون والثاني يعينه على كشف الوقائع وإبراز أوجه الحق، وكلاهما يؤدي رسالة تحقيق العدالة، وهي من الأقوال المعتمدة في الأدبيات القضائية:

«La justice ne peut être bien rendue que dans la confiance et le respect mutuels entre le magistrat et l’avocat»

حيث إن المطالبة بتوحيد الاجتهاد واحترام حسن تطبيق القانون والالتزام بمعايير موحدة لتطبيق القانون، من وحدة مواد النصوص وعدم تجزئة الحقوق، واستقرار الأمن الاجتماعي والقانوني وثبات الاجتهاد بخاصة قرارات محاكم استئناف الإيجارات، التي أعطت توجيها للشعب لاتباعها والتزم بها جميع المعنيين بالقانون، ونتج عنها حقوق وموجبات ونتائج قانونية، حيث إن المطالبة بتطبيقها مع القانون، لا تشكل تدخلاً في استقلال القضاء، بل هي من مقتضيات الأمن القانوني الذي يقتضي أن لا يخضع المواطن لقواعد مختلفة تبعاً لاختلاف الهيئة الناظرة في النزاع، التي تفرض المساواة أمام القانون، ومعرفة الأصول التي تطبق عليه وقد سبق واطلع عليها وحددتها محاكم الاستئناف في السنوات السابقة، لا أن تختلف الحقوق والموجبات بين قاض وآخر وتتناقض القرارات فيما بينها حالياً إلى حد إلغاء ما سبقها، بعد أن سبق وبتت بها محاكم الاستئناف وأرست استقراراً وتوجهاً للإجراءات التي اتبعها الشعب بأسره، ومن غير المقبول أن تعلن المحاكم الآن مخالفتها وتناقضها في ذات الوقت مع بعضها ومع القرارات المبرمة السابقة، ومن حق المواطنين والعائلات المستأجرة معرفة حقوقها مسبقاً والمساواة أمام ذات القانون ومعرفتها بوضوح منذ بدء تنفيذ القانون، لا أن تأتي القرارات حالياً لتناقض قرارات محاكم الاستئناف السابقة وتسقط حقوقهم لأنهم التزموا ووثقوا بها وبالقانون وبالشرح الذي تناولوه في تعليلهم والحيثيات في قراراتهم، وشكلت الأمن القضائي والاجتماعي والقانوني لهم.

ويقول الفقيه الفرنسي Henri Motulsky:

“المساواة أمام القانون تفترض المساواة أمام القضاء، ولا تتحقق هذه المساواة إذا أعطي النص الواحد معاني مختلفة بصورة تؤدي إلى حلول متناقضة”.

المرجع: Principes d’une réalisation méthodique du droit privé.

الأمر الذي يتطلب توحيد واستقامة الاجتهاد والأمن القانوني (sécurité juridique) وعدم جواز خضوع المتقاضين لأحكام متناقضة في ظل النص نفسه، ويقول الفقيه الفرنسي Jean Carbonnier في معرض حديثه عن وظيفة الاجتهاد القضائي:

“إن الأمن القانوني يقتضي أن تكون الأحكام القضائية قابلة للتوقع، لأن العدالة التي تتقلب بتقلب المحاكم تفقد جزءاً من عدالتها”.

(مؤلفه: Droit Civil, Introduction، في معرض بحثه حول استقرار القاعدة القانونية).

وبالتالي إن الذي يفرح بالتناقض والأخطاء الواردة في الأحكام والقرارات وتناقضها من محكمة لأخرى وينتقد لمجرد الانتقاد وللهدم ويمنع التنظيم القضائي للمعايير والإجراءات، ومنها ما يؤدي إلى إنهاء القانون أو المهل التمديدية وضياع الحقوق، وإلى الإسقاط من التمديد بعد أن كرّست القرارات الاستئنافية حقهم بالتمديد، هو الذي يؤدي إلى هدم الهيكل والإجراءات ويؤدي إلى ضياع الحقوق ويتعارض كلياً مع حسن سير العدالة.

حيث يقول الفقيه الفرنسي René Chapus:

“الاجتهاد المتناقض يولد حالة من عدم اليقين القانوني، وهو أمر يتعارض مع حسن سير العدالة”. المرجع: Droit du Contentieux Administratif.

وإن الأحكام الاستئنافية الصادرة عن محكمة استئناف جبل لبنان برئاسة الدكتورة ريما شبارو تاريخ 28/4/2025، وقرار محكمة استئناف بيروت برئاسة القاضي أيمن عويدات برقم 318/2021 تاريخ 24/6/2021، وقرار محكمة استئناف المتن تاريخ 27/2/2025، الذي لم يجف حبره بعد، أرست قواعد ثابتة اتبعها المستأجرون على مدى سنوات طويلة وأرست نتائج قانونية لقراراتهم، فلا يمكن القفز فوقها وإعلان مخالفتها وضمنياً خطأها من المحاكم اللاحقة، والتي اتبع إرشاداتها نصف الشعب اللبناني.

ويقول الفقيه المصري عبد الرزاق السنهوري:

“استقرار المعاملات يقتضي استقرار القضاء، فإذا اضطرب الاجتهاد اضطربت الحقوق نفسها”. المرجع: الوسيط في شرح القانون المدني”.

وبالتالي لا يمكن العودة إلى نقطة الصفر والقول لعشرات آلاف العائلات المستأجرة على امتداد الوطن، بالقرارات الجديدة والحديثة الصادرة بعد 28/2/2026، وفي ظل حرب دامية دمرت قلب الوطن وهجّرت أبناءه، إن ما قمتم به من إجراءات استناداً إلى هذه القرارات البدائية والاستئنافية السابقة لها هو مخالف للقانون، وكان يتوجب عليكم القيام بإجراءات هم يحددونها وبمفعول رجعي، وطلب شروط تعجيزية، بالرغم من عدم إنشاء اللجان والصندوق، وتخالف ما أرسته قرارات محاكم الاستئناف سابقاً، بحيث لا يمكن تطبيقها بل مستحيل تنفيذها بمفعول رجعي ولعدم القدرة على تطبيق المادة 16 و8 لعدم وجود اللجان والصندوق ولوحدة النصوص والقانون، وهذه أمور تم تجاوزها في قرارات محاكم الاستئناف، حيث اكتفت بالاخذ فقط بتقديم طلب واحد للصندوق لإعلان عدم الصلاحية، بكافة الأحكام والقرارات وأصبح معلوماً هذا التوجه لسنين طويلة لدى العائلات المستأجرة، مع تعليق كل ما يتعلق باللجان والصندوق ومنها المادتين 8 و16 وما يليها استناداً إلى المادة 58، واتفق حول نتائجه جميع محاكم الاستئناف ومعظم القضاة المنفردين وشكلت استقراراً على مدى سنوات طويلة.

ويقول الفقيه الفرنسي François Terré:

“الأمن القانوني يفترض قدراً معقولاً من استقرار الاجتهاد القضائي، لأن المتقاضي يجب أن يكون قادراً على توقع النتائج القانونية لأفعاله”. المرجع: Introduction Générale au Droit.

وبالتالي إن احترام النتائج القانونية لقرارات محاكم الاستئناف، ووقف المخالفات القانونية الحادة من قاضٍ لآخر ومن محكمة لأخرى وتوحيد المعايير والحقوق ومعرفتها مسبقاً ليست تدخلاً في استقلال القضاء، بل هي دفاعاً عن مبدأ المساواة أمام القانون والأمن القانوني. فاستقلال القاضي يحميه من الضغوط، لكنه لا يبرر أن يؤدي النص الواحد إلى حقوق في محكمة وإلى نقيضها في محكمة أخرى، إذ لا يجوز أن تكون نتيجة الدعوى رهناً بالهيئة الناظرة فيها أكثر مما هي رهناً بالقانون نفسه.

ويقول الفقيه النمساوي Hans Kelsen في ذات المعنى:

“وحدة النظام القانوني تقتضي وحدة تفسيره بقدر الإمكان، لأن التناقض في التطبيق يهدد فكرة النظام القانوني ذاتها”. المرجع: Pure Theory of Law.

Exit mobile version