لبنان بين التفاهمات الإقليمية وصراع النفوذ: هل نحن أمام تسوية أم هدنة جديدة؟

بقلم// العميد الركن المتقاعد د. جوزف س. عبيد 

في خضم الحديث عن تفاهمات أميركية–إيرانية محتملة، يعود السؤال القديم إلى الواجهة: أين موقع لبنان في هذه المعادلة؟ وهل يكون جزءًا من تسوية إقليمية أم يبقى ساحة تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى؟

المشهد لا يمكن قراءته بمنطق انتصار طرف وهزيمة آخر فقط، لأن الصراعات الدولية لا تُقاس دائمًا بالنتائج المباشرة. الولايات المتحدة تمتلك قوة سياسية وعسكرية واقتصادية هائلة، لكنها تدرك أن إدارة النفوذ في الشرق الأوسط لا تعني دائمًا فرض الإرادة الكاملة. وفي المقابل، إيران، رغم تعرضها لضغوط اقتصادية قاسية، بنت شبكة نفوذ إقليمية جعلت التعامل معها أكثر تعقيدًا من مجرد سياسة العقوبات أو العزل.

إذا حصل تفاهم بين واشنطن وطهران، فقد لا يكون انسحابًا أميركيًا ولا استسلامًا إيرانيًا، بل محاولة لإعادة رسم قواعد الاشتباك. فالولايات المتحدة قد تسعى إلى تخفيف المخاطر وضبط السلوك الإيراني، بينما قد ترى إيران في أي انفراج فرصة لاستعادة قدر من القدرة الاقتصادية والسياسية.

هنا يظهر لبنان كإحدى العقد الأساسية. فالسؤال ليس فقط: هل ستخفف إيران تدخلها؟ بل ماذا يعني ذلك عمليًا؟ وهل يؤدي إلى تعزيز الدولة اللبنانية أم إلى مجرد مرحلة هدوء مؤقتة؟

إن تخفيف أي نفوذ خارجي قد يمنح لبنان فرصة لإعادة ترتيب مؤسساته، جذب الدعم، واستعادة هامش من القرار الوطني. لكن التجربة اللبنانية تُظهر أن الفرص وحدها لا تكفي، لأن غياب التوافق الداخلي يجعل أي تسوية معرضة للانهيار.

أما المخاوف من عودة التوتر بعد سنوات، فهي ليست بلا أساس. فالمنطقة شهدت مرارًا اتفاقات خففت الاحتقان من دون أن تعالج جذور الصراع. وإذا بقي لبنان مرتبطًا بصراعات المحاور، فقد تتكرر الأزمات بأشكال مختلفة.

ومن زاوية أخرى، يمكن النظر إلى المعادلة بأن الولايات المتحدة قد تتحمل كلفة معنوية إذا بدا أن خصمًا صمد أمام الضغط ثم خرج بتفاهم، في حين تتحمل إيران كلفة مادية واقتصادية كبيرة. لكن التاريخ يبين أن الدول الكبرى لا تبقى أسيرة صورة الخسارة أو الربح؛ فهي تعيد حساباتها وفق مصالحها الطويلة الأمد.

المشكلة الأساسية ليست فقط في واشنطن أو طهران، بل في موقع لبنان نفسه. فالدولة التي لا تمتلك قدرة كافية على حماية قرارها تصبح معرضة لأن تتحول إلى ساحة تفاوض بين الآخرين.

لذلك فإن السؤال الأهم ليس: من انتصر في الاتفاق؟
بل: هل يستطيع لبنان أن يحوّل أي تسوية خارجية إلى مشروع دولة؟

فمن دون بناء قوة داخلية، قد تتحول كل الهدن إلى مجرد فواصل زمنية بين أزمات جديدة.

خلاصة ما سبق: لا تبرئة لأميركا ولا إدانة لإيران، ولا تحميل طرف واحد مسؤولية كل شيء، بل قراءة للمصالح وتوزيع موازين القوة.

Exit mobile version