العلّامة فضل الله للبنانيين: الوقت ليس وقت تحميل مسؤوليّات للآخرين أو تسجيل نقاط أو تصفية حسابات بل هو وقت العمل لإنقاذ البلد من نيران الاحتلال

ألقى العلامة السيد علي فضل الله خطبتي صلاة الجمعة من على منبر مسجد الإمامين الحسنين في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبته السياسية:

“عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بأن نستلهم من الحسين (ع) حبّه لله عزّ وجلّ والّذي تجلّى في كربلاء بأجلّ معانيه لمّا ذبح ولده الرّضيع عندما قال: “هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ” وبالصّلاة الّتي صلّاها مع أصحابه وهو في قلب المعركة لم تمنعه عن ذلك كلّ السّهام الّتي كانت توجّهت إليهم ولأجل هذا الحبّ قدم كلّ التّضحيات الّتي بذلها وهو ما عبّر عنه الشّاعر عندما قال مصوّرًا حاله:

إلهي تركتُ الخلقَ طُرًّا في هواكا وأيتمتُ العيالَ لكي أراكا

فلو قطّعتَني في الحبّ إربًا لما مالَ الفؤادُ إلى سواكا

أضاف :”إنّنا أحوج ما نكون إلى تعزيز هذا الحبّ في قلوبنا بأن نكون أشدّ حبًّا وله والّذي هو علامة إيماننا، كما قال الله عزّ وجلّ {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ} والّتي بها سيبادلنا الله عزّ وجلّ حبًّا وعندما يحبّنا سنحظى بما عنده ممّا نحن أحوج ما نكون إليه وسنكون أقدر على مواجهة التّحدّيات.

والبداية من التّصعيد الإسرائيلي المتواصل في الجنوب والبقاع الّذي جرى بالأمس وهذا اليوم والّذي أدّى إلى سقوط عشرات من الشّهداء والجرحى من النّساء والأطفال والشّيوخ والّذي يأتي في إطار عمل العدوّ لإفشال الاتّفاق الّذي جرى بين الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران والولايات المتّحدة الأميركيّة من البوّابة اللّبنانيّة بعد إعلانه بأنّه غير معنيّ به وما شهدناه ونشهده من غارات واعتداءات أدّت ولا تزال تؤدّي إلى سقوط المزيد من الشّهداء والجرحى ومن سعي مستمرّ للتّقدّم إلى أماكن عجز عن الوصول إليها، وإن كان نجاح هذا السّعي يبقى مستبعدًا في ظلّ الزّخم الّذي جاء به الاتّفاق والرّغبة الدّوليّة والإقليميّة باستمراره ومنع العبث به والعودة إلى منطق الحرب، وفي ظلّ موقف الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران الجادّ بربط التزامها بمفاعيل الاتّفاق بإيقاف تامّ للحرب على لبنان والّذي تأكّد اليوم بعدم حضورها للاجتماع المرتقب في سويسرا بدون إيقاف تامّ لإطلاق النّار.

وتابع :”وهنا لا بدّ من أن ننحني إجلالًا للدّماء الطّاهرة الّتي بذلت من أجل منع العدوّ من التّمدّد الّذي كان يريده والّذي تشهد آثار القتال الّذي جرى ونتائجه مدى البطولة الّتي عبّر عنها أولئك الّذين نذروا أنفسهم لحماية أرضهم ووطنهم والثّبات الّذي كانوا عليه ما يجعلهم فخرًا لهذا الوطن وعزًّا له.

ونعود إلى هذا البلد لنعبّر عن اعتزازنا بأهلنا في الجنوب والبقاع الغربيّ ممّن سارعوا إلى العودة إلى قراهم وبلداتهم وبدأوا بأيديهم وبجهودهم وقدراتهم الذّاتيّة بنفض غبار الحرب عنها رغم حجم الدّمار وفقدان البنية التّحتيّة وتهديدات العدوّ، وهذا الاندفاع السّريع لأهلنا نحو العودة هو ما اعتدنا أن نشهده عند أيّ قرار يصدر بوقف إطلاق النّار من دون انتظار قرار حتّى من الجهات المعنيّة ما يؤكّد مدى تعلّقهم بأرضهم وحبّهم لها وهم من بذلوا ويبذلون كلّ غال ونفيس لتحريرها”.

وأكمل السيد فضل الله :”في هذا الوقت، ندعو الدّولة اللّبنانيّة إلى أن تستنفر جهودها وقدراتها من أجل العمل سريعًا للقيام بدورها في توفير كلّ الظّروف الّتي تضمن خروجًا عاجلًا للعدوّ من الأراضي الّتي لا يزال يحتلّها، ولعودة الأهالي إليها، وأن تستند لتحقيق ذلك إلى الزّخم الّذي أمّنه الاتّفاق الأميركيّ الإيرانيّ، وإلى الدّعم الّذي تتلقّاه من العديد من الدّول العربيّة والعالم الّتي لا تزال تقف مع لبنان، وإلى عناصر القوّة الّتي يمتلكها هذا البلد والّتي أثبتت رغم عدم تكافؤ القدرات مع هذا العدوّ أنّها قادرة على إرباكه وإقلاق وجوده في الأماكن الّتي يتواجد فيها. في الوقت الّذي ندعوها إلى أن يكون لها حضورها لمدّ يد العون إلى العائدين إلى قراهم وتوفير المستلزمات الّتي تضمن لهم العودة الآمنة وتلبية حاجاتهم الضّروريّة من طرقات وماء وكهرباء ووسائل التّواصل”.

وأعاد التّأكيد على “ضرورة العمل لتعزيز الوحدة الدّاخليّة والتّماسك على الصّعيدين الرّسميّ والشّعبيّ وكفّ كلّ الأصوات الّتي تعمل على المسّ بها وتعميق الانقسام الدّاخليّ لمنع العدو من الاستفادة من أيّ انقسام داخليّ ممّا راهن عليه ولا يزال يراهن، ونقولها للّبنانيّين إنّ الوقت ليس وقت تحميل مسؤوليّات للآخرين أو تسجيل نقاط أو تصفية حسابات بل هو وقت العمل لإنقاذ البلد من نيران الاحتلال الّتي نعيد التّأكيد أنّها لا تستهدف طائفة أو مذهبًا أو موقعًا سياسيًّا بل تتعدّاه إلى الوطن كلّه.

إنّ على اللبنانيين أن يعرفوا أن المرحلة هي مرحلة يراد منها رسم خرائط جديدة للمنطقة وعليهم أن يحرصوا ألا يكونوا على هامشها بل في قلبها وهذا لا يتمّ إلّا بتكاتفهم وتعاونهم ووحدتهم”.

Exit mobile version