المفتي قبلان: لا للتفريط بالمصالح السيادية وحذارِ من ضرب الوحدة

وجه المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان رسالة الجمعة لهذا اليوم المبارك، واستهلها بالقول : “يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاء الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ}

من الواضح هنا أن قلب محور الآية يلحظ الفداء الأعظم، الذي يجمع عذابات الأنبياء والأولياء على طول آية الله بالخلق والناس، والقصة تبدأ بالبلاء المبين والذبح العظيم، والذي اجتمعت الرواية من كل لسان وبيان أنه سبط النبي محمد(ص) الإمام الحسين(ع).

ومن الإمام الحسين(ع) نبدأ، ومن كفيّه المعمدتين نعود إلى أرض الكبرياء، وإلى عاصمة ميادين المقاومة والحارس الأكبر لسيادة لبنان، ولنقول للعالم: هكذا يفعل الإمام الحسين(ع) بشيعته ومريديه، لأن البطولة والمجد والفداء والكبرياء والصمود والتضحية بالنفس والمال والولد لا يكون إلا لمن امتحن الله قلبه بالطريقة الحسينية، التي تعطي في الله، وتجاهد في الله، وتثبت في الله، وتضحي في الله، وتنتصر في الله، وتتمزّق في الله، وتتسابق إلى ميادين الحق والدفاع عن كرامة الإنسان والأوطان في الله تعالى. ولقد نزل (ع) منزلاً ما نزله أحد من هذه الخلائق إلا هو والأكرمين من أهل بيته وأصحابه، فلمّا صرع في أرض كربلاء وقد تمزّق جسده في الله، ومن حوله أجساد أهل بيته وأصحابه مجزّرين مقطعين كالأضاحي، رمق (ع) السماء بطرفه فقال: أرضيت يا رب فخذ حتى ترضى.

ولمّا فرّقوا ما بين رأسه وجسده وتصايحت الخلائق مدهوشة أقبلت إليه أخته جبل الصبر الحوراء زينب(ع) فرفعته إلى صدرها ومن حولها عويل الفرات وهول الطفوف ومدّت كفّيها نحو السماء وقد تخضبت دماً عبيطاً وصاحت: اللهم تقبل هذا القربان من آل محمد، وهو حبيبك وابن حبيبك، وقد نزل بك ذبيحاً وقصدك قتيلاً وأجابك عطشاناً وابتهل إليك مرفوعاً، وقد فرّق الأعداء بين رأسه وجسده، وقد رضينا بما رضيت، فلا شيء أعظم عندنا من رضاك.

ولمّا رحّلت نحو الكوفة فلم يدع ابن زياد شماتة غلّ إلا وأظهرها، قائلاً لها: كيف رأيتِ فعل الله بأخيكِ الحسين؟ فقالت: والله ما رأيت إلا جميلاً.

وكذا هو حالنا اليوم، جميلاً بعد جميل، وإسماعيل بعد إسماعيل، انصياعاً منا لطريقة سيد الشهداء الحسينية، وللكرامة الزينبية، وفينا أبو الفضل العباس وفينا علي الأكبر، وعابس، وحبيب، وزهير، وبرير، وكلٌّ طريق الله، الذي خصّه بأهل الكرامة، الذين استوطنوا الحق بأشلائهم، ولم يتراجعوا أو يضعفوا أو يساوموا على الحق، أو ينتقصوا من الحقيقة. ولأن الحق دينهم فقد ثبتوا وانتصروا، وأعزّهم الله بعالم الأبدية دار الكرامة، التي لا تزول ولا تفنى، وكذلك هم شيعة الإمام الحسين وفرسان طريقته في لبنان وإيران والعراق واليمن، وكلّ جبهة للحق فيها راية أو ميدان، لأن الإمام الحسين(ع) هو رمز الحق وهو عنوان كلّ مظلوم ومحروم وثائر وناهض بالحقيقة العظمى، وهو عنوان الشيعة الذين لا يرتضون بظلم، أو فساد، أو اضطهاد ولا يخشون طاغية أو فرعوناً مهما كان عنوانه الدولي أو الإقليمي، فضلاً عن الداخلي”.

أضاف :”نعم، القضية هنا ليست كيف نعيش، بل كيف يتحوّل العيش عنواناً لعدل الله وكرامة الإنسان، وما يلزم من عزّة بلده ووطنه، والإمام الحسين(ع) في هذا المعنى هو عدل ونبل وإصلاح وفلاح ومجد وعطاء وقضية أرض وسماء، وعون للمظلوم والمحروم والمستضعف والمقهور والمعذّب، هو قوة تضحية وفداء أعظم وثبات أكبر خاض حرب الحقيقة بوريده، فانتصر دمه لتنهار معه أكبر ممالك أميّة في التاريخ.

وهي نفسها اليوم شيعة الإمام الحسين ومريدوه تحوّلت على جبهات لبنان وإيران وكلّ بلد مظلوم ومقهور ومعذّب إلى عطاء وصمود وثبات وأسطورة هزمت ترسانة واشنطن وتل أبيب، وقد رأى العالم كيف أن ترسانة إسرائيل الكبرى التي تمّ اعدادها لابتلاع الشرق الأوسط كيف تحوّلت جحيماً تأكله النيران في ملاحم بنت جبيل والخيام وزوطر وكفرتبنيت وباقي الحافة الحدودية الجنوبية”.

وتنابع المفتي قبلان :”وبمنطق حقائق الإنسان والأوطان، الإمام الحسين(ع) وطن لأن الوطن لا يقوم إلا بالحق، والإمام الحسين(ع) نخوة لأن البلاد لا تستمر إلا بالنخوة والبذل والدماء، وقد صاح منذ يومه الأكبر في الطف هل من ناصر، هل من معين، فأجابه صحبه بالأشلاء والدماء، وأجابه قوم في أرحام النساء وأصلاب الرجال لا ينقضي الدهر ولا تزول الدنيا كما قالت مولاتنا زينب(ع) عن أبيها عن جدّها(ص) حتى يخرجوا إلى هذا الحي من الدهر، فإذا خرجوا أجابوا سيدهم ومولاهم، فلا يبقى أحد في هذه الدنيا إلا ويندهش لما يضحوا به من بذل وتضحية وأشلاء وفداء. لأن القضية ليست الملة والطائفة، بل الإنسان وما يلزم لله فيه على العوالم، فهو كريم الله وعظيم فدائه، وكبير أمانته، ومحلّ رسالاته”.

وأكّد “أن ما جرى في هذه الحرب قلب كل المعادلات، ووضعنا أمام بداية عصر جديد، وسط محور مقاوم، يملك عقيدة تختلف عن كل عقائد الكيانات في هذا العالم”، مشيراً إلى أن “اللحظة اليوم للفائدة الوطنية، والدفاع السيادي، وكيف ندافع عن لبنان وكيف نحمي وجودنا الوطني وقدرات بلدنا وشعبنا، وما نريده في أي جبهة أو موقف أو خيار سياسي هو مصلحة لبنان، وسلمه الأهلي، وواقع سيادته الفعلية وفق معادلة القوة الوطنية وتضامنها وليس عبر تمزيقها والخروج عليها. وهو أكبر مطالبنا منذ اليوم الأول، وهو ما أصرّت عليه طهران في اتفاقها مع واشنطن”.

وأعلن المفتي قبلان “إن المطلوب سيادة لبنان لا التفاوض من أجل التفاوض وأي خيار كبير مهما كانت جهته لا يمكن اعتماده بلا توافق وطني، وتذكّروا جيدا أن الشراكة التأسيسية هي شراكة وطنية، وهي أساس لازم لأي شرعية، والتفرّد انتحار، ومفاوضات واشنطن في هذا المجال تضعنا أمام كارثة وطنية وخلل كبير، بأوراق القوة والتفاوض، وسط اتحاد تام بين غايات واشنطن وتل أبيب. ولذلك، دون أوراق قوة بيد الدولة اللبنانية حتماً ستنتهي الأمور بيد تل أبيب، وخاصة أن واشنطن هي طرف وليست وسيطاً”.

وأشارإلى أن “الالتزامات الجانبية التي تتعارض مع سيادة لبنان هي خطيرة ولا يمكن قبولها أو تمريرها، والإصرار على تجاوز اتفاقية واشنطن طهران التي تصبّ في صميم المصلحة الوطنية الأمنية والسيادية للبنان لصالح مفاوضات واشنطن الصهيونية أمر يدمّر السيادة الوطنية، ومن يفعل ذلك إنما يضع لبنان بفم الوحش الصهيوني. ولا تفسير لهذا الإصرار سوى الارتهان والتفرّد وضرب الصيغة الوطنية التوافقية التي لا شرعية دونها، وللأسف السلطة الحالية في هذا المجال مرتهنة ومذعنة لما يخدم المصالح الأمنية لتل أبيب. وبالتالي، من غير المسموح أن نمرّر أي التزامات تتعارض مع مصالح لبنان وأمنه وسيادته الوطنية”.

وطالب قبلان “السلطة الحالية بتأمين المصالح السيادية، لا التفريط بها، وحذارِ من ضرب الوحدة الوطنية، لأن أصل الميثاق التأسيسي للبنان يقوم على الوطنية التوافقية، بل أي تفريط بالتوافق الوطني سيعرّي هذه السلطة، وسيكشف ضعفها، وسيحول دون تحقيقها أي نتيجة وطنية أو سيادية”… موجهاً كلامه “لهذه السلطة الحالية” بالقول:”مع غياب القوة الوطنية المدافعة عن لبنان، يصبح القانون الدولي مجرد حبر على ورق، وهذا ما عشناه منذ عشرات السنين. والمطلوب – كي نبني وطناً حقيقياً – تطوير النظام السياسي ووضع استراتيجية دفاع وطني تجمع قدرات المقاومة والجيش والتضامن اللبناني ومصالح المشروع السياسي ضمن إطار المشروع الوطني الكبير لحماية لبنان”.

وختاما وجه المفتي قبلان خطابه “للبعض” بالقول:” تذكر فإن الذكرى تنفع من يتذكر، والتاريخ الماضي مضى، ومشكلة لبنان بمن يرى الثنائي الشيعي هو مشكلة لبنان، وزمن الفرقة الموسيقية الصهيونية انتهى للأبد إن شاء الله، واليوم نحن أمام مقاومة أسطورية تقف في وجه أخطر ترسانة في القرن التي تقودها تل أبيب. والوطنية التي تتغنى بها تفرض عليك أن تكون مع المقاومة التي تدافع عن لبنان لا أن تكون ضدها. ودعنا من أحلام عام 1982 وذاكرة التاريخ المعيب، لأن هذا الزمان لن يعود. ومصلحتك مع المقاومة لا ضدها. وللرئيس نبيه بري فضل كبير عليك لو تتذكر، وحركة أمل وحزب الله حراس سيادة لبنان وصموده مع بقية الشركاء الوطنيين، الذين لا يرتضون بديلاً عن لبنان وسيادته. ومن يهمه أمر وطنه يعرف حقيقة الأثمان الوطنية والتضحيات الجسام، فالذي يدفع الدماء والأشلاء ليحمي لبنان ليس كمن يعرض وطنه للبيع بلا أثمان”.

Exit mobile version