بقلم// أوجينا دهيني
لم يكن توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة الاميركية وإيران حدثاً دبلوماسياً عادياً، ولا مجرد اتفاق تقني لوقف إطلاق النار وفتح مضيق هرمز. فالوثيقة التي وصفها الرئيس الإيراني بالوثيقة التاريخية ورسالة من إيران بأن السلام يتحقق في ظل الاحترام المتبادل جاءت بعد أشهر من المواجهة العسكرية، وبعدما اكتشفت واشنطن أن امتلاكها التفوق الناري لا يعني بالضرورة قدرتها على فرض النتيجة السياسية التي تريدها.
من هنا، لا يكفي أن نسأل عمّا ورد في بنود المذكرة، بل ينبغي أن نسأل: لماذا قبلت الولايات المتحدة بالتوقيع الآن؟ ولماذا انتقلت من لغة الحسم والتهديد إلى لغة التفاوض والضمانات والرفع التدريجي للعقوبات؟ وهل ما جرى اعتراف أميركي بالعجز عن تحقيق أهداف الحرب، أم مجرد تبديل في الأسلوب تمهيداً لجولة أكثر شراسة؟
وهنا لا يخفى على أحد أن واشنطن دخلت المواجهة وهي تراهن على أن الضغط العسكري والاقتصادي سيقود إلى تفكيك عناصر القوة الإيرانية، وإخضاع طهران لشروط تتعلق ببرنامجها النووي ونفوذها الإقليمي وقدراتها الصاروخية. لكن مذكرة التفاهم لم تُوقَّع بعد استسلام إيران، ولم تتضمن تفكيك بنيتها العسكرية أو إسقاط نظامها السياسي أو إنهاء دورها الإقليمي.
على العكس، جلست الولايات المتحدة فاقدة هيبتها أمام العالم إلى طاولة التفاوض مع الدولة نفسها التي أمضت سنوات في محاصرتها، وقبلت بوقف العمليات العسكرية، والتفاوض حول رفع العقوبات، وتخفيف الحصار البحري، وإطلاق مسار اقتصادي وسياسي جديد.
هذه الوقائع لا تعني أن أميركا انهارت أو فقدت قدرتها العسكرية، لكنها تعني أن الحرب لم تحقق الهدف السياسي الأعلى: فرض الإرادة الأميركية الكاملة على إيران. وفي الحسابات الاستراتيجية، عندما تفشل القوة العسكرية في تحويل التفوق الميداني إلى استسلام سياسي، يصبح الانتقال إلى التفاوض اعترافاً بحدود القوة، حتى لو جرى تغليفه بمصطلح “السلام” ولغة “الدبلوماسية”.
مضيق هرمز قلب المعادلة
أظهرت المواجهة أن مضيق هرمز الذي يعد أحد أهم شرايين الطاقة في العالم ليس مجرد ممر بحري، بل ورقة استراتيجية قادرة على نقل كلفة الحرب من المنطقة إلى الاقتصاد العالمي كله. فالاضطراب في حركة ناقلات النفط وارتفاع المخاطر أمام التجارة الدولية جعلا استمرار الحرب عبئاً لا يقع على إيران وحدها، بل يطاول أسواق الطاقة وحلفاء واشنطن واقتصاد الدول الغربية والآسيوية.
لقد استطاعت إيران، عبر قدرتها على التأثير في الملاحة، أن تقول إن خنق اقتصادها لن يبقى إجراءً أحادي الاتجاه، لذلك لم يكن فتح المضيق بنداً إنسانياً أو تجارياً بسيطاً، بل كان جزءاً من مقايضة سياسية: أمن الملاحة مقابل تخفيف الحصار، وعودة تدفق الطاقة مقابل وقف النار والانتقال إلى التفاوض.
هل المذكرة إذا هزيمة لأميركا أم تراجع؟
هناك مجموعة من المؤشرات التي تسمح بالحديث عن تراجع أميركي واضح.
أولاً، لم تنجح واشنطن في فرض اتفاق نهائي بشروطها، بل قبلت بمذكرة انتقالية تمنح الطرفين ستين يوماً للتفاوض.
ثانياً، لم يُحسم الملف النووي في الميدان، وعاد مجدداً إلى طاولة البحث والرقابة والضمانات المتبادلة.
ثالثاً، بات تخفيف العقوبات والإفراج عن أصول إيرانية ودعم إعادة الإعمار جزءاً من النقاش، بعدما كانت السياسة الأميركية تقوم على تعظيم الخسائر الاقتصادية ودفع المجتمع الإيراني إلى الانفجار الداخلي.
رابعاً، حافظت إيران على نظامها السياسي ومؤسساتها العسكرية وأوراقها الإقليمية، ولم تتحول إلى دولة منزوعة الإرادة كما روّج بعض الخطاب الأميركي والإسرائيلي والعربي الحليف لواشنطن وإسرائيل التي سنشهد تبعات كارثية عليها جراء هذا التفاهم في حال ضمان تطبيقه
خامساً، اضطرت واشنطن إلى التعامل مع طهران باعتبارها طرفاً لا يمكن تجاوز دوره في أمن الخليج والطاقة والترتيبات الإقليمية المقبلة.
من هذه الزاوية، تبدو مذكرة التفاهم أقرب إلى إقرار أميركي بأن مشروع
الحسم بالقوة وصل إلى طريق مسدود، وأن استمرار الحرب قد يضاعف الخسائر من دون ضمان تحقيق نصر سياسي.
لكن هل هُزمت أميركا فعلاً؟
وصف ما جرى بأنه «هزيمة أميركية كاملة» قد يكون متسرعاً. فالولايات المتحدة لا تزال تمتلك أدوات ضغط عسكرية واقتصادية وسياسية هائلة، والمذكرة ليست اتفاقا نهائياً، كما أن واشنطن تستطيع استخدام فترة الستين يوماً لإعادة ترتيب أوراقها واستراتيجياتها أو رفع سقف مطالبها خلال المفاوضات.
ومن المحتمل أيضاً أن تكون الإدارة الأميركية قد انتقلت من محاولة إسقاط إيران أو شلّها عسكرياً إلى استراتيجية أكثر تعقيداً: احتواء القوة الإيرانية، وتقييد برنامجها النووي، وفصلها تدريجياً عن ساحات حلفائها التي شكلت ركيزة قوة في المواجهة، واستخدام الحوافز الاقتصادية لتحقيق ما تعذر تحقيقه بالقصف.
لبنان الامتحان الأكثر خطورة
يبقى لبنان الاختبار الحقيقي لجدية مذكرة التفاهم. فإذا كانت الوثيقة تنص على وقف العمليات في مختلف الجبهات، فإن السؤال يصبح: هل تستطيع واشنطن إلزام إسرائيل؟ أم أن ايران والمقاومة في لبنان سترغمان إسرائيل على الالتزام؟
لبنان إذاً ليس تفصيلاً في الاتفاق، بل مقياس لمعرفة ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو تسوية شاملة، أم نحو استراتيجيات جديدة في المواجهة مع الإشارة كما تبين أن المواجهة لا تُحسم فقط بمن يصمد تحت القصف، بل أيضاً بمن ينجح في إدارة مرحلة التفاوض من دون أن يخسر على الطاولة ما حافظ عليه في الميدان.
ما التوصيف الأدق لما جرى؟
الأدق أن مذكرة التفاهم تمثل هزيمة لمشروع الحسم والاهداف الأميركية، لا هزيمة نهائية للولايات المتحدة فقد فشلت واشنطن في فرض استسلام شامل، لكنها لم تتخلَّ عن أهدافها الاستراتيجية. كما نجحت إيران في منع تحويل العدوان عليها إلى إذعان سياسي، لكنها لم تخرج من الحرب بلا خسائر أو تحديات رغم كل المكتسبات والتغيرات التي حققتها، مع جهوزيتها الدائمة والحتمية لأي مواجهة مقبلة مع إشارة قائد الثورة الإسلامية الى الالتزام الذي قطعه الرئيس الإيراني بصون حقوق الشعب الإيراني وعدم الرضوخ للطرف الأمريكي اذا ما أراد فرض املاءات توسعية او المطالبة بالمزيد وأي مفاوضات مقبلة لا تعني بحال من الأحوال الإذعان لرأي العدو .نحن إذاً أمام استراحة فرضتها موازين القوة وكلفة الحرب، لا أمام نهاية مؤكدة للمواجهة.
قد تتحول هذه الاستراحة إلى بداية تسوية تاريخية إذا نُفذت الالتزامات، ورُفعت العقوبات فعلياً، وتوقف العدوان على لبنان وانسحبت اسرائيل، وجرى احترام سيادة دول المنطقة.
لكنها قد تصبح أيضاً هدنة لإعادة التموضع، وترميم الترسانات، وتعديل الخطط، ثم استئناف المواجهة بصورة مختلفة.
الخلاصة
إن توقيع مذكرة التفاهم يحمل دلالتين متلازمتين: فهو من جهة اعتراف أميركي بأن إيران لا يمكن إخضاعها بالقوة، ومن جهة أخرى للصراع أميركية للانتقال من الحرب المباشرة إلى إدارة الصراع بالتفاوض والضغط والاحتواء.
لذلك لا ينبغي التعامل مع المذكرة بوصفها نصراً نهائياً يدعو إلى الاطمئنان، ولا بوصفها خدعة خالية من القيمة. إنها نتيجة لمواجهة خرجت منها إيران كقوة دولية لا يمكن تجاهلها او التخلص منها بالغرور الترامبي والنموذج الفنزويلي ولا حتى بغيره…
العبرة ليس بحبر التوقيع، بل بما ستكتبه الوقائع: رفع العقوبات، وقف العدوان على لبنان والانسحاب، واحترام السيادة الإيرانية، ومستقبل البرنامج النووي.
فإذا تحققت هذه النتائج، ستكون المذكرة دليلاً على هزيمة مشروع الهيمنة والحسم الأميركي. أما إذا استُخدمت لالتقاط الأنفاس، في محاولة جديدة لتفكيك الجبهات، وعزل قوى المقاومة فستكون مجرد استراحة قصيرة في مواجهة لم تقل كلمتها الأخيرة بعد وتبقى الكلمة الأكيدة أن إيران اليوم قدمت أنموذجا فريدا في مواجهة الاستكبار العالمي سيغير وجه التاريخ مرة جديدة كما غيره بانتصار الثورة الإسلامية عام 1979.
