كتب بهاء الحريري على منصة “اكس”: “إن المتغيرات الاستراتيجية الكبرى التي يشهدها العالم اليوم، وتحديداً في الشرق الأوسط والمشرق العربي، لم تعد مجرد مؤشرات عابرة، بل وقائع راسخة تعيد تشكيل موازين العالم والمنطقة بأكملها. فالعراق عاد ليؤكد عمق انتمائه العربي ودوره الطبيعي في محيطه، مثبتاً أن كل محاولات اقتلاعه من جذوره التاريخية لم تكن إلا أوهاماً سقطت أمام منطق التاريخ والجغرافيا. وسوريا تستعيد اليوم موقعها كحاضنة طبيعية لبلاد الشام، فيما يواصل الأردن، بثبات ورسوخ، تجسيد نموذج الاستقرار والعقلانية السياسية، مواكباً هذه التحولات الكبرى بثقة من يعرف موقعه في المعادلة الجديدة.
وسط هذا المشهد الدولي والإقليمي المتغير، بهذه الوتيرة وهذا العمق، يقف لبنان أمام استحقاق لا مجال لتجاهله، فمن المستحيل، بل من غير المنطقي، أن يستمر هذا الوطن رهينة منظومة سقطت سياسياً وأخلاقياً ووطنياً، ولم يبق لديها من وسائل البقاء سوى المناورة تلو المناورة، حفاظاً على امتيازات بنيت على أنقاض الدولة ومستقبل أجيالها بأكملها.
لقد راهنت هذه المنظومة طويلاً على نظريات استهلكت نفسها، سواء من خلال التذرع بحماية مكونات هي في غنى عن مثل هذه الحماية المزعومة، أو من خلال التمسك بأوهام تفوق عددي لم يعد له أي قيمة استراتيجية في ظل المعادلات الإقليمية الجديدة، وبالتالي فإن حكم الأقليات قد سقط الى غير رجعة، ومن يحاول اليوم السباحة عكس هذا التيار التاريخي الجارف، فإن مصيره الغرق المحتوم. ولذلك نؤكد بكل وضوح وحزم، لن نسمح، تحت أي عنوان أو ظرف أو معادلة، بأن يسحب لبنان معها إلى تلك القعر.
إن لبنان ليس جزيرة معزولة عن محيطه الطبيعي والتاريخي، ومن لم يستوعب حتى الساعة حجم المعادلة الدولية والإقليمية الجديدة فتلك مشكلته الخاصة، أما أن يحاول ترجمة أوهامه إلى وقائع على حساب الوطن وشعبه، فهذا ما لن يكون مقبولاً ولن يكون ممكناً بأي شكل من الأشكال. فالقائم على الوهم لا يحصد إلا الوهم، والساعي خلف السراب لا يقود إلا إلى الخراب.
لقد انتهى زمن هذا النظام وهذه المنظومة، ولن تقوم لهما قيامة بعد اليوم. فالشعب اللبناني، الذي دفع من حقوقه وإمكاناته وكرامة عيشه أثماناً لا تحتمل، يملك من الذكاء والفطنة والتجربة ما يكفي ليرى بوضوح لا لبس فيه، ويختار بكل كفاءة الجهة القادرة على إنقاذه من أقوال وأفعال وممارسات هذه المنظومة، أياً كانت صفتها أو موقعها.
التاريخ لن يرحمكم.
التاريخ لا يرحم من أضاع الفرص، ولا من بدد مقدرات الوطن، ولا من دفع شعبه إلى الفقر والهجرة والانكسار.
لقد صبر اللبنانيون طويلاً، ومؤكداً أكثر مما ينبغي.
إن لبنان يستحق الحياة، ويستحق مستقبلاً أفضل، وهذا المستقبل آت، مهما حاولت قوى الماضي أن تؤخر وصوله.
ونحن سنواجهكم، فليس بالأعداد الوهمية تحكم الشعوب، بل بالقلوب التي امتلأت قهراً وظلماً وانكساراً حتى انتفضت. وويل لمن يقف في طريق انتفاضتها”.
