ماذا لو كان الاتفاق الأميركي–الإيراني صحيحاً؟ قراءة في الربح والخسارة ومصير لبنان

بقلم// العميد الركن المتقاعد د. جوزف س. عبيد

تتداول الأوساط السياسية مسودة تفاهم أميركي–إيراني تتضمن بنوداً تتحدث عن وقف إطلاق النار، ورفع أو تعليق العقوبات، وفتح المجال أمام الاقتصاد الإيراني، وإعادة أموال مجمدة، والدخول في مفاوضات طويلة حول الملف النووي. وحتى الآن تبقى هذه البنود بحاجة إلى تأكيد رسمي، لكن السياسة لا تُقرأ فقط بما هو معلن، بل بما قد يحدث وبالاحتمالات التي تفتحها التطورات.
لذلك يطرح السؤال نفسه:
ماذا لو كانت هذه المسودة صحيحة؟
ماذا لو انتقلت المنطقة من مرحلة التهديدات المتبادلة إلى مرحلة التسويات الكبرى؟
ماذا لو أن سنوات الضغط والحصار والمواجهة انتهت إلى طاولة تفاوض أعادت رسم قواعد اللعبة؟
إذا قرأنا البنود المتداولة بنداً بنداً، فإن السؤال الذي يفرض نفسه: أين يظهر الربح الأميركي المباشر؟
فوفق ما هو متداول، معظم البنود تبدو في اتجاه تخفيف القيود عن إيران: وقف إطلاق النار، رفع الحصار، تخفيف العقوبات النفطية، إعادة الوصول إلى الموارد المالية، فتح باب اقتصادي جديد، وحصر المفاوضات المقبلة بالملف النووي، مع استبعاد ملفات أخرى كانت واشنطن تعتبرها سابقاً جزءاً أساسياً من الخلاف، مثل الصواريخ والنفوذ الإقليمي.
بمنطق الربح والخسارة السياسي، إذا صحت هذه البنود، فإن إيران تكون قد حققت مكاسب كبيرة؛ لأنها تدخل المفاوضات بعد سنوات من العقوبات والضغوط وهي لا تزال محتفظة بأوراقها الأساسية، وتخرج من المواجهة وهي تستعيد مساحة اقتصادية وسياسية كانت محرومة منها.
أما الولايات المتحدة، فإن قبولها بمثل هذه الترتيبات – إذا حصل فعلاً – يعني أنها انتقلت من سياسة الضغط الأقصى إلى سياسة إدارة الأزمة والتفاهم. وقد يرى البعض أن منع حرب مفتوحة وضبط الملف النووي مكسب بحد ذاته لواشنطن، لكن القراءة الأخرى تقول إن سقف المطالب الأميركية الذي كان مرتفعاً في السابق قد انخفض، وإن طهران نجحت في تحويل الصمود وطول النفس إلى أوراق على طاولة التفاوض.
وهنا تظهر قاعدة مهمة في السياسة:
الطرف الذي يخرج من مواجهة طويلة وهو يحافظ على أدواته ويخفف الضغوط عنه، يعتبر نفسه رابحاً حتى لو لم يحصل على كل ما يريد.
لكن بعيداً عن واشنطن وطهران، يبقى السؤال الذي يخص لبنان:
ماذا لو كان هذا الاتفاق – إن صح – أميركياً إيرانياً فقط، ولا يشمل لبنان؟
ماذا لو قالت واشنطن إن لبنان ملف منفصل؟
ماذا لو استمرت إسرائيل في التصعيد بحجة أن الاتفاق لا يلزمها؟
ماذا لو توقفت المواجهة الكبرى بين القوى الدولية والإقليمية، لكن بقي لبنان ساحة مفتوحة؟
عندها يصبح السؤال المؤلم:
هل تُغلق ملفات المنطقة الكبرى بينما يبقى لبنان يدفع الثمن؟
فالتاريخ اللبناني مليء بالمراحل التي تحولت فيها أرضه إلى مساحة لتصفية الصراعات، ثم وجد شعبه نفسه أمام نتائجها: دمار، نزوح، انهيار اقتصادي، وتعطّل مؤسسات.
لذلك فإن القضية ليست فقط: من ربح ومن خسر؟
بل:
متى يصبح لبنان نفسه هو القضية الأولى؟
متى يصبح أمنه واستقراره ومصلحة شعبه بنداً أساسياً في أي تفاوض إقليمي أو دولي؟
فالدول لا تُقاس فقط بقدرتها على تسجيل الانتصارات في صراعات الآخرين، بل بقدرتها على حماية شعوبها من أن تكون ثمناً لهذه الصراعات.

Exit mobile version