كتب الشيخ بهاء الحريري على منصة “X”:
لم يعد في الإمكان إقناع اللبنانيين بعد اليوم بأن إعادة إنتاج الفشل تشكل مشروع إنقاذ، أو أن تدوير الأزمة ذاتها بأدواتها ورموزها ومساراتها قادر على انتشال لبنان من أعمق انهيار شهده منذ قيام دولته الحديثة. فقد أسقطت التجربة كل الأوهام، وأفضى الواقع إلى حكم لا استئناف منه: المنظومة التي قادت البلاد إلى الانهيار لا تملك مفاتيح الخروج منه.
إن أي محاولة لتعويم هذه المنظومة أو إعادة تشغيلها تحت مسميات جديدة ليست مشروع حل، بل هي في جوهرها مشروع إطالة الأزمة وتأجيل انفجارها الكبير، على حساب شعب استنزف صبره، وتاكلت ثقته بكل وعد لم يتحول إلى فعل، وبكل شعار لم يصمد أمام اختبار الحقيقة.
لقد ثبت بما لا يقبل الجدل أن الرهان على من أخفقوا هو رهان خاسر بطبيعته وأن الرهان على الفاشلين رهان فاشل، وأن من عجزوا عن بناء الدولة في زمن الاستقرار لن يكون لهم الدور ولا القدرة على إنقاذها في زمن الخطر الوجودي. وثبت كذلك أن التمسك بالمعادلات البائدة ومحاولة فرضها على واقع إقليمي ودولي متحول ليس سوى إنكار للحقائق وتهرب من مواجهة الأسباب الجذرية للانهيار.
غير أن لبنان ليس قدراً مغلقاً، ولا هو محكوم بالاختيار بين استمرار الانهيار وبين إعادة إنتاج أسبابه. فالبديل الوطني السيادي الإصلاحي موجود، والطاقات البشرية والاقتصادية الكفيلة بإطلاقه موجودة، والدعم الإقليمي والدولي لكل مشروع جاد لبناء الدولة موجود وجاهز، شريطة أن تتوافر الإرادة السياسية الصادقة، والرؤية الاستراتيجية الواضحة، والقيادة الجديرة بحمل مشروع الإنقاذ الحقيقي.
إن المنطقة بأسرها تشهد اليوم تحولات تاريخية تعلن من خلالها بوضوح أن زمن منظومات الهيمنة والفساد والتعطيل والجمود السياسي إنتهى بلا رجعة.
لقد تغير الزمن، وتغيرت المنطقة، وتبدلت موازين السياسة والاقتصاد والتنمية تبدلاً جوهرياً. ومن يعتقد اليوم أنه قادر على إعادة عقارب الساعة إلى الوراء إنما يراهن على أوهام لن تصمد طويلاً أمام حركة التاريخ وإرادة الشعوب.
لذلك فإنني أجزم أن إرادة بناء الدولة ستنتصر في نهاية المطاف، لأن منطق المستقبل أعمق جذوراً وأبعد أفقاً من إرث الانهيار، ولأن الشعوب وإن طال صبرها وتكاثرت جراحها، فإنها لا تقبل إلى الأبد أن تظل رهينة منظومات أثبتت إفلاسها أمام أبنائها وأمام التاريخ والعالم معاً.
