بقلم// العميد الركن المتقاعد د. جوزف س. عبيد
كتبتُ هذه المقالة يوم طُرحت الدعوة إلى المفاوضات، لكنني تريثت في نشرها، ليس ترددًا في الفكرة، بل انتظارًا لما ستؤول إليه التطورات، ولأرى إن كان المسار سيتجه نحو تسوية تُجنب لبنان المزيد من الأزمات، أم أن الأمور ستعود إلى نقطة الصدام.
اليوم، وبعد ما حصل، وبعد أن أصبحت الأسئلة أكثر إلحاحًا والوقائع أكثر وضوحًا، أجد أن نشر هذا المقال بات ضروريًا. فالسؤال الذي طرحته يومها لم يفقد صلاحيته، بل ازدادت أهميته:
ماذا لو رفض حزب الله؟
في لحظة مفصلية من تاريخ لبنان، حيث تتقاطع الضغوط الدولية مع التهديدات الأمنية والانهيار الاقتصادي، يبرز سؤال لا يمكن تجاهله: ماذا لو رفض حزب الله كل مسار تفاوضي أو أي تسوية مطروحة؟
هذا السؤال لم يعد نظريًا، بل أصبح جزءًا من الواقع السياسي القائم، حيث تتعثر الحلول عند نقطة أساسية: سلاح الحزب ودوره الإقليمي. وفي حال استمر هذا الرفض، فإن لبنان لا يقف أمام خيار واحد، بل أمام سلسلة من السيناريوهات، كلها صعبة، وبعضها يحمل مخاطر وجودية.
أول هذه السيناريوهات هو استمرار الضغط الدولي، الذي لن يتوقف عند حدود البيانات السياسية. بل سيتحول تدريجيًا إلى إجراءات عملية، من عقوبات إضافية إلى تضييق اقتصادي، وربط أي دعم خارجي بشروط قاسية. لكن المشكلة في هذا المسار أنه لا يصيب الجهة المستهدفة فقط، بل يطال الدولة اللبنانية بكاملها، ويزيد من معاناة شعبها، دون ضمان تحقيق تغيير سريع في موازين القوى.
أما السيناريو الثاني، فهو بقاء الوضع على حاله، أي لا حرب شاملة ولا تسوية حقيقية. وهذا ما يعني عمليًا استمرار الاستنزاف: توتر دائم على الحدود، اقتصاد يترنح، ودولة عاجزة عن فرض قرارها. هذا النوع من “اللا حل” هو في ذاته أزمة مستمرة، تستهلك ما تبقى من قدرة لبنان على الصمود.
السيناريو الثالث، وهو الأخطر، يتمثل في الانزلاق نحو مواجهة عسكرية واسعة. وهنا، لا تعود الحسابات نظرية، بل تتحول إلى دمار شامل، يطال البنية التحتية والاقتصاد والمجتمع. في مثل هذا المشهد، لن يكون هناك منتصر حقيقي، بل خسائر متفاوتة، يدفع لبنان فيها الثمن الأكبر.
يبقى السيناريو الرابع، وهو تدويل الأزمة. عندما تفشل كل المحاولات الداخلية والخارجية، يصبح المجتمع الدولي أكثر ميلًا لفرض حلول قسرية. قد لا يكون ذلك بشكل مباشر وفوري، لكنه يتدرج من توسيع صلاحيات القوات الدولية إلى فرض ترتيبات سياسية وأمنية تمسّ جوهر السيادة. وهنا، يصبح الحديث عن لبنان تحت مظلة دولية مشددة، أو حتى إجراءات قريبة من البند السابع، احتمالًا قائمًا لا يمكن استبعاده.
لكن، وسط هذه الصورة القاتمة، تبرز حقيقة لا بد من الاعتراف بها: لا يمكن تجاوز حزب الله بالقوة دون المخاطرة بانفجار داخلي، ولا يمكن في المقابل تجاهل وجوده وتأثيره. لذلك، فإن أي مسار واقعي لا بد أن يمر عبر نوع من الاحتواء التدريجي، الذي يوازن بين متطلبات الاستقرار الداخلي والضغوط الخارجية.
إن لبنان اليوم ليس أمام ترف الخيارات، بل أمام ضرورة الاختيار بين السيئ والأسوأ. ورفض التسويات، مهما كانت مبرراته، لا يلغي الحاجة إليها، بل يؤجلها ويجعل كلفتها أعلى.
في النهاية، يبقى السؤال الحقيقي: هل يستطيع لبنان أن يفرض منطق الدولة على الجميع، أم سيبقى أسير توازنات تمنعه من إنقاذ نفسه؟
الجواب لا يتوقف على طرف واحد، بل على وعي جماعي يدرك أن استمرار الإنكار لن يغيّر الواقع، بل سيزيده قسوة. فالهدوء ليس تنازلًا، والتسوية ليست هزيمة، بل قد تكون الفرصة الأخيرة قبل أن تُفرض الحلول من الخارج، عندها لن يكون الرفض خيارًا متاحًا.
