سلام أطلق النداء الإنساني العاجل وقال لايران: إرحمي جنوبنا فنحن أصحاب وطنٍ ولبنان ليس ورقة على طاولة أحد

عقد في السرايا الحكومية، بعد ظهر اليوم، مؤتمر “إطلاق النداء الإنساني العاجل الثاني للبنان”، والهادف إلى تأمين تمويل إضافي لدعم لبنان قدره 331.5 مليون دولار أميركي، بما يخدم 1.4 مليون شخص، ليصل إجمالي التمويل المطلوب بموجب النداء العاجل حتى نهاية شهر آب من هذا العام، إلى 639.9 مليون دولار أميركي.

 

حضر المؤتمر رئيس مجلس الوزراء الدكتور نواف سلام، نائب نائب رئيس مجلس الوزراء الدكتور طارق متري، وزراء: الشؤون الاجتماعية حنين السيّد، الثقافة غسان سلامة، السياحة لورا الخازن، الاقتصاد والتجارة عامر البساط، الداخلية والبلديات العميد أحمد الحجار، الصناعة جو عيسى الخوري، الاتصالات شارل الحاج، الإعلام المحامي د. بول مرقص، الصحة العامة ركان ناصر الدين، الشباب والرياضة نورا بيراقداريان ووزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية فادي مكي، المنسق المقيم للأمم المتحدة عمران ريزا، سفراء الدول المانحة وممثلون عن المنظمات الدولية ووكالات الأمم المتحدة.

 

الرئيس سلام

وقال رئيس مجلس الوزراء: “أتوجه إليكم بخالص الشكر على وقوفكم المتجدد إلى جانب لبنان. فقبل ثلاثة أشهر، التقينا في ظرف دقيق، في الأيام الأولى من حرب لم نخترها ولم نسع إليها. واليوم نلتقي مرة أخرى، وكم كنا نتمنى أن يكون لقاؤنا هذا لنطوي معا صفحة هذه الأزمة، لا لنفتح فصلا جديدا من فصولها”.

أضاف: “لقد مرت ثلاثة أشهر على هذه الحرب التي فرضت علينا. ومنذ ساعاتها الأولى، كانت الدولة اللبنانية حاضرة: فعلنا من خلال وحدة إدارة مخاطر الكوارث في السراي الحكومي غرفة العمليات المركزية، وأطلقنا بقيادة وزيرة الشؤون الاجتماعية، حنين السيد، خطة شاملة منسقة للاستجابة الوطنية. وقد توجهت هذه الخطة الى نحو مليون نازح اضطرتهم الحرب إلى مغادرة بيوتهم: منهم من لجأ إلى مراكز الإيواء التي تديرها الدولة، ومنهم من بقي خارجها، فعملت الدولة على مواكبتهم عبر مجلس الجنوب والهيئة العليا للإغاثة وسائر مؤسساتها، بما في ذلك من خلال المساعدات النقدية. كما استهدفت الخطة أكثر من خمسين ألفا من أهلنا الذين بقوا صامدين في قراهم وبلداتهم في الجنوب رغم القصف والخطر، لأن الصمود يحتاج هو أيضا إلى حماية ورعاية وتأمين مقومات الحياة”.

 

وتابع: “أتوجه أولا إلى أهلنا النازحين، بالقول مجددا: إن عودتكم الكريمة والآمنة إلى أرضكم هي في صلب مسؤوليتنا وأولوياتنا. فمأساتكم هي مأساتنا. وأحيي أهلنا في الجنوب، الصامدين في أرضهم وبيوتهم في وجه مشاريع التهجير. فهم يؤكدون، كل يوم، أن الجنوب سيبقى لبنانيا، وأقول لهم

ان الدولة تبقى ملاذكم الاول، وسيادتها ليست شعارا بل التزام يومي تجاه أبنائها”.

 

وقال: “كما عملنا للنهوض بواجبنا على الجبهة الإنسانية، لم نوفر جهدا على الجبهة الدبلوماسية. فقد سعينا مع أشقائنا في المنطقة وأصدقائنا في العالم، على وقف الحرب وحماية لبنان وصون سيادته. فاخترنا، طريق التفاوض، لأنه الخيار الأقل كلفة على لبنان وأهله، والأقصر إلى تأمين انسحاب إسرائيل وعودة الناس إلى ديارهم. وبفضل مساعي الدولة اللبنانية، وجهود أشقائنا العرب، وبتفهم أميركي، نجحنا في الوصول الى تفاهم على وقف لإطلاق النار في لبنان، غير أن اللبنانيين فوجئوا أمس بأن يكون الحرس الثوري الإيراني أول الرافضين لذلك، قبل أي طرف آخر. وهذا تأكيد جديد على أن هذه الحرب ليست حربنا، وأنها لا تخاض من أجلنا، بل على أرضنا وعلى حساب أهلنا”.

 

اضاف: “هكذا، يدفع الجنوب وأهله، مرة أخرى، ثمن قرار لم يتخذوه، وحربا ليست حربهم. وان كان لي ان أتوجه الي إيران بكلمة فهي ان ترحم جنوبنا وان تتوقف عن التعامل معه ومع اهله كمجرد ورقة لتحسين شروط مفاوضاتها. فنحن اصحاب وطن يأبى ان يتحول الى صندوق بريد لرسائل الآخرين، أو ميدانا مفتوحا لحروبهم. لبنان ليس ورقة على طاولة أحد، والجنوب ليس جبهة احتياطية لأحد”.

 

وتابع: “إن رفض وقف إطلاق النار يعني، ببساطة ووضوح، أن الحرب مستمرة، وأن الأزمة الإنسانية مستمرة تاليا، بل انها تتعمق يوما بعد يوم. ومن هنا، فإننا لا نستطيع أن نكتفي بوصف المأساة، ولا بأن نحصي الضحايا، ولا بأن ننتظر أن تتعب المدافع من تلقاء نفسها. لذلك، يهمني ان أتوجه اليوم برسالتين:

أولا، أتوجه إلى اللبنانيين جميعا، بالدعوة إلى تحكيم العقل، وإلى تغليب مصلحة لبنان وشعبه فوق أي مصلحة أخرى. فلا يجوز أن يبقى لبنان ساحة لحروب الآخرين، ولا أن يدفع الجنوب وأهله ثمن حسابات لا يملكون قرارها. إن جوهر موقفنا واضح: لا حرب يجوز ان تخاض باسمنا من دون سؤالنا، ولا قرار حرب أو سلم يجوز ان يبقى خارج دولتنا.

ثانيا، أدعوكم جميعا، سفراء دول وممثلي منظمات اممية، إلى الضغط على إسرائيل لوقف هجماتها على المدنيين، ولوقف تدمير حواضر جبل عامل، عبر جرف المنازل والقرى من صور إلى بنت جبيل والنبطية. فسياسة العقاب الجماعي هذه التي تدينها كل الشرائع الدولية وكل الضمائر الحية من حول العالم، والتي يتعرض اهلنا لها بشكل يومي لا يمكن ان تصنع أمنا، بل انها تولد مزيدا من الألم والغضب والخراب، فتضرب كل فرصة للاستقرار. ودعوني أكون واضحا أمامكم: إن أهل الجنوب ليسوا طرفا في حرب إيران مع اميركا. هم ابناء هذه الارض، ولهم الحق بالعيش فيها في امان وكرامة مثل سائر شعوب العالم”.

وأكد الرئيس سلام أن “ما يدمر اليوم ليس ملك لبنان وحده، بل هو إرث للإنسانية. فصور مثلا مدرجة على لائحة التراث العالمي كما ان قلعة الشقيف شاهد على تاريخ يتعدى في دلالاته جنوب بلادي”.

 

وقال: “ما دامت الحرب مستمرة، فإن الأزمة الإنسانية تتفاقم. فعدد كبير من النازحين لن يستطيعوا العودة قريبا إلى مدن وقرى دمرت بالكامل. وكلما اتسعت رقعة الدمار، كلما صارت العودة أصعب”.

 

أضاف: “إن مفاوضاتنا مستمرة، لكن التفاوض وحده لا يكفي ما دامت النيران مشتعلة. فما نطلبه منكم اليوم ليس فقط موقفا سياسيا، بل تحركا متكاملا: للضغط من أجل وقف النار، ولحماية المدنيين وبيوتهم وارزاقهم، ولدعم قدرة الدولة اللبنانية على الاستجابة للحاجات الإنسانية الي فرضتها حرب هي ليست حربنا. ومن هنا، وفيما تتواصل فصول هذه المأساة الإنسانية، أتوجه إليكم بدعوة صريحة: قفوا إلى جانب شعب لبنان، وادعموا نداءنا الإنساني الثاني. فالفجوة بين الحاجة والموارد قد اتسعت، وأهلنا، في مراكز الإيواء كما في القرى والبلدات الصامدة، لا يحتملون مزيدا من الانتظار”.

وتابع: “لقد وقفتم إلى جانب لبنان في النداء الأول، ونحن نقدر ذلك عاليا. لكن حجم المأساة اليوم أكبر، وكلفة الاستجابة أثقل، والحاجات لم تعد حاجات طارئة فحسب، بل باتت تفرض حلولا أكثر استدامة. إن التضامن الذي لمسناه منكم، نحن في أمس الحاجة إلى أن نلمسه دعما متجددا اليوم”.

وختم: “أشكركم على وقوفكم إلى جانب لبنان، وكلي ثقة بأن تبقوا، كما عهدناكم، شركاء في صون الأمل لدى أبناء شعبي، لا شهودا على آلامهم”.

 

السيد

بدورها، قالت وزيرة الشؤون الاجتماعية: “ان ما نناقشه اليوم ليس أرقاما في وثيقة، بل حياة ناس، وكرامة عائلات، ومستقبل أطفال. منذ إطلاق النداء الإنساني في آذار، كانت الرسالة واضحة: لبنان لا يطلب مساعدة عابرة، بل شراكة مسؤولة لإنقاذ الأرواح، وحماية المدنيين، ودعم استجابة تقودها الدولة اللبنانية بالتعاون الوثيق مع الأمم المتحدة والشركاء الإنسانيين”.

أضافت: “لقد أثبت النداء الأول أثره الكبير. فبين الثاني من آذار و20 من أيار، تمكن الشركاء الإنسانيون، ضمن الإطار الحكومي المنسق، من الوصول إلى أكثر من مليون و100 ألف شخص بنوع واحد على الأقل من المساعدة. وصل الدعم إلى مئات آلاف العائلات خارج مراكز الإيواء، وإلى العائلات داخل المراكز، وإلى مناطق صعبة الوصول رغم المخاطر والقيود الأمنية. هذا لم يكن عملا بسيطا، بل كان جهدا وطنيا ودوليا واسعا، في ظروف استثنائية”.

وتابعت: “اليوم، نحن أمام مرحلة جديدة. ففي الحرب السابقة استمرت المواجهات 66 يوما، أما اليوم فنحن في اليوم 96، والحرب ما زالت مستمرة. النزوح لم يعد طارئا قصير الأمد. أكثر من مليون شخص ما زالوا نازحين، وحوالى130  ألف شخص يقيمون في مئات مراكز الإيواء، فيما يعيش مئات الآلاف خارج المراكز، عند عائلات مضيفة، أو في مساكن مستأجرة، أو في ظروف غير مستقرة. الحاجات تزداد، الأسعار ترتفع، قدرة الناس على التحمل تتراجع، والخدمات العامة في الصحة والتعليم والمياه والحماية تعمل تحت ضغط غير مسبوق”.

وقالت: “لهذا يأتي النداء للمرحلة الممتدة من حزيران إلى آب، طالبا 330 مليون دولار إضافية لمواصلة الاستجابة متعددة القطاعات والوصول إلى مليون و400 ألف شخص من الأكثر حاجة. لكن خلف هذا الرقم، هناك قصة إنسانية يجب ألا ننساها. في إحدى زياراتي إلى مراكز الإيواء، التقيت طفلة صغيرة اسمها جنى، عمرها خمس سنوات. كانت تجلس بهدوء في زاوية من الصف الذي تحول إلى غرفة لعائلة نازحة. سألتها: هل أنت سعيدة هنا؟ فنظرت إلي وقالت ببساطة: بدي إرجع عالبيت. هذه الجملة تختصر كل شيء”.

أضافت: “النداء الإنساني ليس فقط من أجل الطعام أو الفرش أو الدواء، رغم أن هذه كلها ضرورية. هو أيضا من أجل أن تبقى جنى آمنة اليوم، وأن تستطيع غدا أن تعود إلى بيتها بكرامة. هو جسر بين الاستجابة الطارئة وخطة العودة والتعافي التي تعمل عليها الحكومة، حتى لا يتحول النزوح المؤقت إلى واقع دائم، وحتى تبقى العودة الآمنة والكريمة هدفا وطنيا وإنسانيا وسياسيا”.

وتابعت: “في هذا الإطار، تعمل الحكومة اللبنانية على مقاربة متكاملة لمرحلة ما بعد الأزمة، لا تكتفي بإدارة الطوارئ، بل تضع إعادة الإعمار والتعافي في صلب الأولويات الوطنية. فنحن نخطط منذ الأمس لـ”اليوم التالي”. هدفنا ليس فقط أن يعود الناس إلى ما كان قبل الحرب، بل أن نعيد البناء بشكل أفضل، وأكثر عدالة واستدامة، وأن نمنح أهلنا، الذين يستحقون السلام بعد كل ما تحملوه، فرصة حقيقية للبقاء في أرضهم، والعيش بكرامة، والعمل، والإنتاج، والازدهار”.

وقالت: “اليوم، هذه الاستجابة تقودها الدولة اللبنانية. وزارة الشؤون الاجتماعية تنسق على الأرض من خلال 600 عاملة وعامل اجتماعي. وزارة التربية وضعت 2500 تربوي يعملون اليوم في ظروف طارئة للحفاظ على حق الأطفال بالتعلم. وآلاف العاملين في القطاع الصحي يقدمون الخدمات في مختلف المناطق، إلى جانب البلديات، والمحافظين، والصليب الأحمر اللبناني، والدفاع المدني، والهيئة العليا للإغاثة، ومجلس الجنوب، والجيش، وقوى الأمن، وكل الشركاء المحليين والدوليين. نحن لا نبني منظومة موازية للدولة. نحن نعمل لكي تكون الاستجابة الإنسانية فرصة لتعزيز قدرة الدولة، لا لإضعافها. لأن لبنان يحتاج إلى دعم عاجل اليوم، ولكنه يحتاج أيضا إلى مؤسسات أقوى غدا”.

أضافت: “أسمح لنفسي هنا بمقارنة صريحة. في عام واحد، أنفق العالم أكثر من 2700 مليار دولار على الإنفاق العسكري. والمبلغ الذي نطلبه اليوم للبنان، للأشهر الثلاثة المقبلة، يساوي ساعة واحدة فقط من الإنفاق العسكري العالمي. هذه المقارنة تهدف إلى التذكير بأن في هذا العالم موارد كافية لو اختار أن يوجه جزءا أكبر منها لحماية الإنسان لا لتمويل الحروب، ولإنقاذ الأطفال من النزوح والخوف بدل أن تترك طفلة مثل جنى تنام في صف دراسي ولا تتمنى سوى العودة إلى بيتها”.

وتابعت: “أصحاب السعادة، لبنان يطلب شراكة مسؤولة. نطلب منكم أن تدعموا هذا النداء، لا فقط كاستجابة إنسانية، بل كاستثمار في الاستقرار، وفي حماية كرامة الناس، وفي منع توسع الفقر واليأس، وفي الحفاظ على الثقة بالدولة ومؤسساتها. وهنا أقول بوضوح: لا يمكن للتمويل الإنساني أن يكون بديلا عن وقف الاعتداءات، ولا بديلا عن احترام سيادة لبنان، ولا بديلا عن حماية المدنيين والبنى التحتية، ولا بديلا عن ضمان وصول آمن وغير مشروط للمساعدات. المطلوب اليوم ليس فقط تمويل النداء، بل دعم موقف واضح يحمي الإنسان، ويحترم القانون الدولي، ويمنع تحويل النزوح إلى واقع طويل الأمد”.

وأردفت: “كل مساهمة في هذا النداء تعني عائلة تستطيع دفع الإيجار بدل أن تنام في العراء. تعني طفلا لا ينقطع كليا عن التعليم. تعني مريضا يحصل على الدواء. تعني امرأة تجد مساحة آمنة. وتعني أن الدولة اللبنانية، رغم كل الصعوبات، تبقى حاضرة إلى جانب مواطنيها وكل المتضررين على أرضها”.

وختمت: “أشكر كل الدول التي وقفت إلى جانب لبنان منذ بداية هذه الأزمة. وأشكر الأمم المتحدة، والمنظمات الدولية، والجمعيات المحلية، وكل العاملين في الميدان، وكل من يواصل العمل بصمت، يوميا، لحماية الناس. اليوم، نداؤنا واضح: ساعدونا على أن نحمي الحياة اليوم، وأن نحافظ على إمكانية العودة غدا. ساعدونا كي لا يكون مستقبل أطفال مثل جنى رهينة الحرب والنزوح والخوف”.

ريزا

وقال المنسق المقيم للأمم المتحدة: “نجتمع اليوم بعد أكثر من ثلاثة أشهر من العنف الشديد والمعاناة الحادة. تواجه المجتمعات المحلية في مختلف أنحاء لبنان ثمنا باهظا ومروعا نتيجة تصاعد الأعمال العدائية. فقد سقط عدد كبير جدا من الضحايا، وشهدنا نزوحا واسع النطاق ومتكررا، وتدميرا للمساكن وللبنى التحتية للخدمات الأساسية، إضافة إلى ما تسبب ذلك من صدمات نفسية عميقة”.

أضاف: “إن حجم المعاناة التي يتحمّلها المدنيون مثير للذعر ويتفاقم يوما بعد يوم. لقد قُتل أكثر من 3,500 شخص وأصيب أكثر من 10 آلاف آخرين. وما يزال نحو مليون شخص نازحا بعيدا عن منزله. كما يواجه العاملون في القطاع الصحي والمستجيبون الأول خطر الموت والإصابة على نطاق مروع. وقد تحوّلت أحياء بأكملها إلى أنقاض، فيما فقدت عائلات كثيرة منازلها ومصادر رزقها. ويتردّى الأمن الغذائي بوتيرة متسارعة، حيث يحتاج ما لا يقل عن 1.4 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية”.

وتابع: “خلال زياراتي الميدانية إلى عدد من المجتمعات المحلية في الأسابيع الأخيرة، صدمت بحجم الدمار الذي لحق بالبنى التحتية وبالخدمات الأساسية. فقد تعرضت المستشفيات والعيادات الطبية لغارات جوية، ودمرت المبان الحكومية، واحترقت الأراضي الزراعية، وهُدمت محطات المياه، كما تحوّلت المدارس إلى مراكز لإيواء النازحين. إلا أن الدمار لا يقتصر فقط على الماديات. فالصدمات النفسية التي يخلفها النزاع تتغلغل في النسيج اليومي للحياة وتترك ندوبا عميقة لن تندمل بسهولة بحيث تبقى آثارها ملحوظة لفترة تتعدى بكثير أصوات البنادق والقنابل”.

وقال: “لقد أظهر الشعب اللبناني قدرة استثنائية على الصمود في أصعب الظروف، إلا أن حتى هذا الصمود الاستثنائي له حدود. قبل أسبوعين، كنت في مدينة صور حيث التقيت بأشخاص نازحين في أحد مراكز الإيواء الجماعية. وقد أخبرتني بعض العائلات أنها اضطرت إلى النزوح خمس مرات. وكانت مطالبها واضحة تماما: وقف فعلي للأعمال العدائية، وإمكانية إعادة بناء حياة أفرادها، والأمل بمستقبل أفضل لأولادها”.

أضافت: “السيدات والسادة أعضاء المجتمع الدولي، نعلم أنكم تقدرون لبنان تقديرا عميقا، لتنوعه وجماله الطبيعي وثقافته، وكذلك لكرم شعبه الذي لا مثيل له. لقد شكل دعمكم شريان حياة للبنان على مدى سنوات طويلة، فقد وقفتم إلى جانبه وتضامنتم معه بعد انفجار مرفأ بيروت، وموَّلتم النظام الصحي خلال جائحة كوفيد-19 وجائحة الكوليرا. كما دعمتم الحكومة اللبنانية والمجتمعات المحلية في استقبالهم أكثر من مليون لاجئ وافدين من سوريا، وفي مرحلة لاحقة قدموا الدعم لأكثر من مليون شخص نزحوا بسبب النزاع الذي فتك بالبلاد في عام 2024”.

وتابع: “خلال الأشهر الثلاثة الماضية منذ التصعيد الأخير، ساعدت مساهماتكم التي بلغت 190 مليون دولار أميركي على تمكين الحكومة والمجتمع الإنساني من الاستجابة بسرعة وفعالية. وقد أتاحت هذه الجهود تقديم مساعدات مُنقذة للحياة لأكثر من 680 ألف شخص خلال المرحلة الأولى من إطلاق النداء العاجل. إلا أن الاحتياجات الإنسانية لا تلبث تتزايد مع كل يوم يستمر فيه النزاع، وما زال أمامنا الكثير من العمل”.

وأردف: “اليوم، نناشد توفير مبلغ إضافي وقدره 331.5 مليون دولار أميركي بغية مواصلة الجهود المنقذة للحياة بما يخدم 1.4 مليون شخص، ليصل إجمالي التمويل المطلوب بموجب النداء العاجل حتى نهاية شهر آب/أغسطس من هذا العام إلى 639.9 مليون دولار أميركي. إن دعمكم لا ينم عن عمل تضامني فحسب، إنما هو استثمار في السلام والاستقرار والإنسانية بحد ذاتها”.

وقال: “إن القيادة المستمرة التي تضطلع بها حكومة لبنان للاستجابة لهذه الأزمة – والمتمثلة بقيادة وزارة الشؤون الاجتماعية المكلّفة من قبل دولة رئيس مجلس الوزراء، والفريق الوزاري المشترك العامل من السراي الكبير، إنّما تستحق كل التقدير. ويتمثل هدفنا في دعم الجهود التي تقودها الحكومة في التصدّي للأزمة الإنسانية الحادة. ويتعين علينا ضمان استمرار توفير المساعدات المنقذة للحياة وخدمات الحماية للعائلات النازحة وللمجتمعات المُضيفة وتوسيع نطاقها، مع إيلاء الاهتمام الخاص للمخاطر التي تتفاقم بفعل النزاع، بما في ذلك العنف القائم على النوع الاجتماعي”.

اضاف: “كما يجب أن نعطي الأولوية لدعم الفئات الأكثر ضعفاً، بمَن فيهم كبار السنّوالأشخاص ذوو الإعاقة. هذا ولا يجب نسيان المجتمعات المحلية التي ما زالت خلف خطوط التماس وفي المناطق الأكثر صعوبة للوصول. كما يتعين علينا تعزيز جهود المستجيبين الأوّليين الذين يعملون ببسالة لا مثيل لها، والمطالبة بحمايتهم بموجب القانون الدولي الإنساني”.

وتابع: “علاوة على ذلك، يجب أن نعمل سويا وبشكل متزايد، على تحويل جهودنا المشتركة نحو معالجة واقع النزوح الذي طال أمده. ويتعين علينا التعاون لتحديد خيارات بديلة لإيواء النازحين، بدائل تحفظ كرامتهم الإنسانية، وتتيح للمدارس الحكومية العودة إلى أداء دورها الأساسي والحيوي ألا وهو تعليم الأطفال والشباب. كما يجب أن نعزز دعمنا للبلديات وقدراتها على إعادة تأهيل الخدمات الأساسية الحيوية، في ظل الضغوط التي فرضتها هذه الأزمة الممتدة وفي ظلّ الطلب المتزايد على هذه الخدمات، لا سيما في المجتمعات المُضيفة”.

وختم: “سيظل المدنيون يتحملون العبء الأكبر من الأعمال العدائية. واسمحوا لي أن أختتم كلمتي بأربع رسائل واضحة:

أولا، يجب أن يتوقف تصاعد العنف، فلا يوجد حل عسكري لهذا النزاع. إن الحوار والوقف الكامل للأعمال العدائية سيمهدان الطريق لوضع حد للاحتياجات الإنسانية.

ثانيا، يجب احترام القانون الدولي الإنساني. وهذا يستوجب حماية المدنيين، والبنية التحتية المدنية، والعاملين في المجال الإنساني، والعاملين الصحيين في جميع الأوقات.

ثالثا، نحن بحاجة إلى ضمان الوصول وهذا يعني ضمان وصول إنساني آمن ومستدام ومن دون أي عوائق، بما يشمل المرور الآمن للمدنيين الفارين من الأعمال العدائية وأوامر التهجير، وكذلك تمكين العاملين في المجال الإنساني من الوصول إلى المناطق الواقعة على خطوط التماس والمناطق التي يصعب الوصول إليها”.

وختم: “أخيرا، نحن بحاجة إلى توسيع نطاق التمويل الإنساني. فإن توفير تمويل عاجل ومستدام -ويمكن تنبّؤه- للنداء العاجل الذي نطلقه اليوم من شأنه أن ينقذ الأرواح”.

Exit mobile version