أكد مفتي محافظة بعلبك الهرمل الشيخ الدكتور بكر الرفاعي في رسالة “منبر الجمعة” أن “الاعتداءات والانتهاكات الإسرائيلية المتكررة للأراضي اللبنانية تُمثِّل انتهاكًا واضحًا للسيادة الوطنية وتهديدًا مباشرًا لأمن المواطنين واستقرارهم، ما يستوجب موقفًا وطنيًا جامعًا يؤكد حق لبنان في حماية أرضه والدفاع عن استقلاله وصون أمنه بعيدًا عن أي اعتبارات أو حسابات ضيقة”.
ورأى أن “الحاجة تبرز إلى تحييد لبنان عن تداعيات الصراعات الإقليمية ومنع تحويله إلى ساحة لتبادل الرسائل وتصفية الحسابات بين القوى المتنازعة، إذ إن مصلحة اللبنانيين تقتضي تجنيب البلاد كلفة النزاعات الخارجية وما تخلّفه من أعباء أمنية وسياسية واقتصادية تزيد من هشاشة الواقع الوطني وتعقّد فرص النهوض والاستقرار”.
واعتبر أن “معالجة التحديات الأمنية والسيادية بصورة مستدامة تتطلب تعزيز دور الدولة ومؤسساتها الشرعية وتمكينها من الاضطلاع بمسؤولياتها كاملة، بما يحفظ وحدة اللبنانيين ويكرّس منطق الدولة والقانون، ويؤسس لعلاقات طبيعية ومتوازنة مع المحيط العربي، انطلاقًا من المصالح الوطنية العليا ومتطلبات الاستقرار والتنمية”.
وفي رسالته الدينية، قال الرفاعي: ”عندما ينتهي الأنبياءُ يبدأ أبو بكر، وعندما ينتهي أبو بكر يبدأ النَّاس! هكذا هو فئة وحده أدنى من الأنبياء قليلاً، وأعلى من النَّاسِ كثيراً، لا يُشبه أحدًا ولا يشبهه أحد، نموذج فريد مُعَدٌّ بإتقانٍ ليكون صِدِّيقَ هذه الأمة”.
تابع: “تأتي الشرعيّة في سياسة أبي بكر الصديق رضي الله عنه من كونها امتدادًا طبيعيًّا لمنهاج النبوة، لا اغتصاباً للسلطة ولا انقلابًا على إرادة الأمة، فقد تولى الحكم بطريق البيعة وبترشيح نبوي وإجماع أهل الحلّ والعقد”.
ولفت إلى أن “الخطاب السياسي الذي ألقاه أبو بكر عقب بيعته لم يكن خطبة تنصيب تقليدية، بل كان وثيقة دستورية حددت طبيعة العلاقة بين الحاكم والرعية، إذ أعلن أنه ليس بخيرهم، وأن طاعته مشروطة بطاعته لله ورسوله”، مشيرًا إلى أنّ “الضعيف قوي عنده حتى يؤخذ حقه، والقوي ضعيف عنده حتى يؤخذ منه الحق، فقرر بذلك مبدأ المساءلة السياسية والمحاسبة المجتمعية، وأسس لثقافة نقد السلطة دون فوضى أو خروج”.
أضاف: “لم يكن مفهوم السلطة عند الصديق امتيازياً، مؤكدًا بذلك أن الحكم تكليف لا تشريف، وأن الخليفة موظف لدى الأمة وليس سيدًا عليها”.
أردف: “لم تكن سياسة الصديق لينة ضعيفة في مواجهة الخارجين على النظام العام، لحماية الدولة من التفكّك، مؤسّسًا لمفهوم أولويات السياسة الشرعيّة التي لا تغفل الأمن القومي مقابل الاستقرار الداخلي”.
ختم الرفاعي: “هذه القواعد ليست مجرد وعظ ديني، بل هي نظريات سياسية تحدد علاقة السلوك الجماعي بالجزاءات التاريخية، وتؤكد أن النظم المستوردة من الشرق أو الغرب لن تغني المشرقيين ما داموا قادرين على استنطاق تراثهم السياسي واستخلاص أصوله ومناهجه”.
