رشيد كرامي: رجل الدولة وذاكرة الاعتدال اللبناني

بقلم// المحامي أسامة العرب

حين يستعيد لبنان ذكرى الرئيس الشهيد رشيد كرامي، فإنه لا يستحضر سيرة رجلٍ تولّى رئاسة الحكومة مرات عديدة فحسب، بل يستعيد نموذجاً سياسياً نادراً لرجل دولةٍ أدرك، في أكثر المراحل اللبنانية اضطراباً، أن بقاء الوطن لا يتحقق بالغلبة، بل بالتوازن؛ ولا يُصان بالعنف، بل بالحوار؛ ولا يستمر بمنطق الطوائف، بل بروح المواطنة والعيش المشترك.

لقد مثّل رشيد كرامي، في الوجدان الوطني اللبناني، أحد أعمدة الاعتدال السياسي، وأحد الوجوه البارزة التي ربطت بين الوطنية اللبنانية بانتمائها العربي، وبين النزعة الإصلاحية ذات النفس الليبرالي. ومن هنا لم تكن مسيرته مجرد حضور في الحكم، بل كانت تعبيراً عن رؤية سياسية متكاملة ترى في لبنان وطناً نهائياً لجميع أبنائه، وفي عروبته بعداً طبيعياً لا يتناقض مع خصوصيته وتعدديته. وقد شكّلت علاقته بالزعيم جمال عبد الناصر إحدى العلامات البارزة في مساره السياسي، بما حملته من دلالات على موقعه في الفضاء العربي، وعلى إيمانه بدور لبنان في محيطه لا على هامشه.

ينتمي الرئيس الشهيد إلى بيتٍ وطني عريق، هو بيت كرامي في طرابلس، الذي ارتبط اسمه بالعلم والسياسة والاستقلال والإصلاح. فوالده، عبد الحميد كرامي، كان من الشخصيات الوطنية البارزة التي عُرفت بالنزاهة والالتزام بقضايا التحرر والإصلاح، وبانحيازها إلى مشروع الدولة والاستقلال. أما جذور العائلة، فتتصل بسلالة من العلماء والقيادات الدينية والوطنية في طرابلس، من بينها جده الشيخ رشيد كرامي، مفتي المدينة، الذي حمل الرئيس الشهيد اسمه، في امتدادٍ رمزي بين الإرث الديني والاجتماعي والسياسي.

تلقى رشيد كرامي علومه في كلية الحقوق بجامعة القاهرة، ثم عاد إلى طرابلس ليمارس مهنة المحاماة، قبل أن يدخل الحياة النيابية عام 1951 نائباً عن المدينة على رأس لائحة «التحرر العربي». ومنذ ذلك التاريخ، ظل حاضراً في البرلمان اللبناني من دون انقطاع حتى اغتياله، بما يعكس عمق ارتباطه بقاعدته الشعبية، ومكانته في الحياة السياسية الوطنية.

بدأ كرامي مسيرته الوزارية في سن مبكرة، حين تولّى وزارة العدل في حكومة الرئيس عبد الله اليافي عام 1951، بعد أشهر قليلة من وفاة والده. ثم شغل لاحقاً حقائب الاقتصاد والشؤون الاجتماعية، قبل أن ينتقل إلى موقع رئاسة الحكومة، حيث أصبح أحد أكثر الشخصيات اللبنانية حضوراً في إدارة التوازنات الداخلية، وفي صياغة العلاقة بين مؤسسات الدولة ومكوّنات المجتمع اللبناني.

وقد تولّى رئاسة الحكومة للمرة الأولى في أيلول عام 1955 في عهد الرئيس كميل شمعون. ثم عاد إلى السراي الحكومي في عهد الرئيس فؤاد شهاب، حيث شكّل حضوره جزءاً من مرحلة سياسية اتسمت بمحاولة بناء الدولة وتثبيت مؤسساتها. كما ترأس الحكومة في عهد الرئيس شارل حلو أكثر من مرة، وكان في كثير من الأحيان يجمع إلى رئاسة الحكومة حقيبة المالية، إلى جانب حقائب أخرى في مراحل مختلفة، من بينها الدفاع والخارجية والإعلام والسياحة والإسكان.

غير أن أهمية رشيد كرامي لا تقاس بعدد الحكومات التي رأسها، ولا بالحقائب التي تولاها، بل بالدور السياسي الذي أدّاه في لحظات الانقسام اللبناني الحاد. فقد كان، في جوهر تجربته، صمام أمانٍ وطنياً، ورجلاً قادراً على مخاطبة مختلف الأطراف من موقع الاعتدال لا الاصطفاف، ومن منطق الدولة لا منطق المحاور. ولذلك فإن غيابه عن رئاسة الحكومة في مراحل مفصلية سبقت الحرب الأهلية ترك فراغاً كبيراً في الحياة السياسية، إذ كان حضوره يمثل عامل توازنٍ وتهدئة في بلدٍ شديد الحساسية تجاه الانقسامات الداخلية والتدخلات الخارجية.

ومع اندلاع الحرب الأهلية، عاد كرامي إلى الواجهة في مرحلة شديدة التعقيد، فتولّى رئاسة الحكومة في عهد الرئيس سليمان فرنجية بين عامي 1975 و1976، في محاولة لإعادة وصل ما انقطع بين اللبنانيين. ثم شكّل لاحقاً حكومة الوحدة الوطنية التي استمرت من 30 نيسان 1984 حتى 4 أيار 1987، قبل أن يُفجع لبنان باغتياله في الأول من حزيران عام 1987، على متن طوافة عسكرية كانت تقله من طرابلس إلى بيروت.

وفي الذكرى التاسعة والثلاثين لاستشهاده، يعود اسم رشيد كرامي بوصفه شاهداً على مرحلةٍ كان فيها رجال الدولة يحاولون حماية لبنان من السقوط في منطق التقسيم والكانتونات. فلقد وقف الرئيس الشهيد في وجه النزعات الانفصالية، ورفض تحويل لبنان إلى ساحات متقابلة أو كيانات مغلقة، مؤمناً بأن الوطن لا يبقى وطناً إذا تحوّل إلى مجموعة مخاوف متناحرة.

ولم يكن رشيد كرامي مجرد رئيس حكومة تكرر تكليفه في ظروف دقيقة، بل كان رمزاً لفكرةٍ سياسية وأخلاقية مفادها أن لبنان أكبر من طوائفه، وأعمق من أزماته، وأسمى من الحسابات الضيقة التي تهدد وحدته. كان يرى أن الاعتدال ليس ضعفاً، بل شجاعة سياسية؛ وأن الوفاق ليس تسوية عابرة، بل شرط وجودي لاستمرار لبنان.

لذلك، فإن اغتياله لم يكن استهدافاً لشخصه فقط، بل كان اغتيالاً لمعنى الدولة، ولمنهج الحوار، ولإحدى الركائز التي آمنت بأن السلم الأهلي هو جوهر الشرعية الوطنية. وما تزال قضيته حاضرة في وجدان اللبنانيين، لا بوصفها ذكرى أليمة فحسب، بل باعتبارها تذكيراً دائماً بما يخسره الوطن حين يُستهدف الاعتدال، وحين تُقصى الشخصيات الجامعة لمصلحة منطق العنف والانقسام.

رحم الله الرئيس الشهيد رشيد كرامي، رجل الوحدة الوطنية، وصوت الاعتدال، وأحد كبار المدافعين عن لبنان العربي المستقل، وعن طرابلس التي أنجبته، وعن فلسطين التي بقيت حاضرة في وجدانه السياسي والوطني.

 

Exit mobile version