كيف كان سيتصرف، الآن، رئيس الحكومة اللبنانية رشيد كرامي فيما لو كان حياً، لوقف الضرب في جدران الوطن من الداخل بوجه الإعصار الجهنمي ضده؟سؤال من المستحيل الجواب عنه في لحظة تذكّر بالثانية الأخيرة من عمره الذي قضى غيلة، فوق رأس شكا الساحلية، عند الساعة الـ9,10 من صباح يوم الاثنين 01/06/1987، في أثناء عودته من طرابلس إلى بيروت على متن طوافة عسكرية زُرِعت فيها عبوة ناسفة خلف المقعد المخصص له.
وكأنّ الله تعالى اختاره شهيداً ليبقى حياً يُرزَقُ عنده وأن يُحيِيَ، مع بداية هذا الشهر الـ6 من السنة، في ذاكرة الناس “حرب الأيام الـ6” التي احتلت فيها إسرائيل القدس والضفة الغربية لنهر الأردن وسيناء والجولان ومن بعد ذلك “اجتياح لبنان” سنة 1982 وكلها حدثت بتاريخ 6 حزيران.
وفي هذه الأيام الممتدة الموج والتأريخ عينه، يبحر لبنان ضمن “متوسطٍ” من “الأحمر القاني” المشتعل ناراً حوّلت ربيعه لهيباً ومناخه “فيروسات” تُضعِف المناعة وتقضي على العليل و… الرجال… وهم،،، مما يسمعون، حائرون، بين ارباع الرياح و”الورق المقلَّم بالأزرق” و”ديكور” المكتبات الخاوية من حروفها في البيوت الجميلة.
عندما تعقّدت الأزمة السياسية بين رئيس الجمهورية أمين الجميل (49 سنة في حينه) ورئيس الحكومة رشيد كرامي (65 سنة يوم استشهاده) انقطع اجتماعهما، وتحوّلت العلاقة الدستورية في ما بينهما “مراسيم جوّالة”؛
وبعدما أيقن “الرجل” استحالة ممارسة المسؤولية على هذا النحو قرر رشيد كرامي استقالة “حكومة الوحدة الوطنية” في 4 أيار\مايو 1987 وتَقدّم بها إلى “الشعب” بسبب “الفشل بإنقاذ لبنان”، وفي نهاية عهده، عام 1988 سلّم الرئيس الجميّل القصر الجمهوري لحكومة عسكرية سرعان ما انشطرت وضاعت الـ”دولة” بين حكومتين “دستورية” برئاسة قائد الجيش العماد ميشال عون (مقرها قصر بعبدا) و”شرعية” برئاسة الرئيس الدكتور سليم الحص (رحمه الله – مقرها بيته) بعائشة بكار-بيروت.
و”الاستقالة الشهيدة”، هنا، ضغطها ما أفصح عنه، قبلها، رشيد كرامي بسبب استمرار الوضع على ما هو عليه وقال إنه يكرس التعطيل ويضر بمصلحة اللبنانيين وابتعد، في كلامه، إلى ما يمكن التوقف عنده في الدعوة التي واقعها، الآن، بعد 39 عاماً بالتمام والكمال، لـ”إعادة بناء الثقة” وكان يقصد بين الرئاسات وتغليب لغة الحوار.
ولا شك في ان هذا الواقع السياسي لا يجيد الإمساك بخطوطه إلا رجال الدولة المتمكنين الذين لا تنام “ثعالب” إسرائيل عنهم في لبنان، مراقبة ومعلومات وتعليمات بما يناسب قرارات تل أبيب التي اتخذتها بعدما رصدت في “رشد كرامة” المواقف عقبة أمام نفوذها الواسع.
من قتلوا رشيد كرامي كانوا يعلمون تماماً خطورته وأهمية تجذّره “الوطني العميق في التاريخ السحيق والحاضر والمستقبل” و”القومي المترامي” و”الديني العظيم”، لذا استحق “الشهادة الحقّ”.
فهو من رسخت التطورات والأهوال السياسية قوله: “إننا جزءٌ من هذه المنطقة العربية، والكلّ يعلم الظلم الذي يحلّ بنا نتيجة سياسة إسرائيل القائمة على العدوان وعلى التوسّع وعلى الاحتلال”.
وفي القضية الوطنية قال والقول دائم: “لأننا ككلّ شعب يتعرّض للاعتداء على أمنه وعلى أرضه وعلى سيادته، لا بدّ له من ان يقوم بواجب الدفاع عن كلّ هذه القيم”.
رشيد كرامي تولى رئاسة الحكومة 8 مرات: (1955 – 1956)(1958 – 1960)، (1961 – 1964)، (1965 – 1966) (1966 – 1968)، (1969 – 1970)، (1975 – 1976) (1984 – 1987 تاريخ استشهاده).
1 حزيران من عام 1987 يوم لم تنته تداعياته ولا فصوله حتى هذه الساعات الثقيلة على أغصان أرز لبنان وجبال عامل والباروك والمكمل وقمة صنّين وجبال الأربعين الساحرة والساحل اللبناني الأجمل من اقصى الوطن إلى اقصاه.
منصور شعبان
