بقلم// الشيخ مظهر الحموي
يأتي عيد الأضحى هذا العام ولبنان يئنُّ تحت ركام الأزمات، ويقف على أطلال وطنٍ أنهكته المصائب ، وأدمته شراسة الأعداء ، وأثقلته الإنقسامات ، وجرحت قلبه السياسات الظالمة ، التي لم تُبقِ لأهل السنة في لبنان كرامةً وشعورًا بالأمان والإنصاف والعدالة.
يأتي العيد وقلوب الناس ليست معلّقة بزينةٍ ولا بثيابٍ جديدة، بل بأمنيةٍ واحدة: أن ينجو هذا البلد من الغرق، وأن يعود لأبنائه شيءٌ من كرامة الحياة التي سُلبت منهم.
يأتي العيد فيما اللبنانيون يرزحون تحت وطأة الإحتلال والفقر والجوع والخوف، لكنَّ الألم عند أهل السنّة في لبنان يحمل وجعًا مضاعفًا، لأنهم يشعرون منذ عقود طويلة أنهم متروكون في زوايا الإهمال، يدفعون أثمان الصراعات والتجاذبات ، ويُحمَّلون تبعات الأزمات ، فيما حقوقهم وإمتيازاتهم تُنتقص ، ودورهم يُهمَّش ، وكرامتهم تُستباح بصمتٍ ثقيل.
لقد عاش أهل السنّة في لبنان سنواتٍ طويلة من الحرمان السياسي والإقتصادي والإجتماعي ، حتى بات كثيرٌ منهم يشعر أن الدولة التي يُفترض أن تكون مظلةً للجميع، قد تحولت إلى ميزانٍ مختلّ، يكيل بمكيالين، ويمنح فئةً ما يُحرم منه آخرون. فمن طرابلس إلى عكار، ومن البقاع إلى صيدا، ومن الأحياء الشعبية في بيروت إلى القرى المنسية ، تتراكم صور الفقر والبطالة والحرمان ، بينما تغيب المشاريع التنموية ، وتُترك المناطق السنيّة (وخاصة طرابلس) تواجه الإهمال وحدها ، وكأن أبناءها خارج حسابات الدولة واهتماماتها.
وما زاد الجرح عمقًا أن أهل السنّة لم يذوقوا فقط مرارة الحرمان ، بل ذاقوا أيضًا مرارة الظلم والتشويه والاستهداف ، حتى أصبح البعض منهم يشعرون أنهم متَّهمون في وطنيتهم وإنتمائهم ، وأن عليهم دومًا أن يثبتوا براءتهم ، فيما تُرتكب بحقهم أنواع من الإجحاف لا تجد من يرفع الصوت عاليًا لوقفها .
وتتجلى هذه المأساة بأوضح صورها في قضية الموقوفين الإسلاميين ، تلك القضية التي تحولت إلى جرحٍ مفتوح في وجدان شريحة واسعة من اللبنانيين.
فكيف لوطنٍ يدّعي إحترام العدالة أن يبقي موقوفين خلف القضبان أكثر من إثنتي عشرة سنة من دون محاكمات عادلة ومنصفة ؟!
كيف يُعقل أن يذبل العمر في الزنازين ، وأن تكبر أعمار الأمهات ، ويشبَّ الأطفال بعيدًا عن آبائهم ، فيما الملفات عالقة بين الإهمال والتسويف والحسابات السياسية ؟!
أيُّ عدالةٍ هذه التي تجعل إنسانًا ينتظر أكثر من عقدٍ من الزمن في السجن ليعرف مصيره وبعدها يصدر حكمه أنه بريء ؟!
وأيُّ قانونٍ يقبل أن يتحول التوقيف الاحتياطي إلى حكمٍ مفتوح بلا سقف ، وبلا حسم ، وبلا رحمة ؟!
لقد تحولت معاناة الموقوفين الإسلاميين إلى مأساة إنسانية واجتماعية كاملة .
هناك أمهاتٌ أكل الحزن قلوبهن وهن ينتظرن أبناءهن عند كل حديثٍ عن عفوٍ عام ، فإذا بالعفو المسمى عامّاً يأتي ناقصًا مبتورًا مفصلا على مصلحة فئة من لبنان ، يُفرح فئةً ويخذل أخرى ، ويترك القلوب معلقة بين الرجاء والإنكسار.
هناك زوجاتٌ تحمّلن قسوة الحياة وحدهن ، وربّين أبناءهن في غياب الآباء ، فيما الأطفال كبروا على صورة أبٍ خلف القضبان لا يعرفون من حنانه إلا الذكريات .
لقد أصبح العفو الذي قيل عنه انه عام بالنسبة لكثيرين وعدًا سياسيًا يُستحضر عند الحاجة ثم يُناور فيه ليُلقى جانبًا بعد إنتهاء المصالح ، وكلما اقترب الناس من بارقة أمل، اصطدموا بجدران المماطلة والتسلل في النصوص والتأجيل، وكأن معاناة هؤلاء ليست أولوية، وكأن الزمن الذي سُرق من أعمارهم لا قيمة له.
إن القضية اليوم ليست دفاعًا عن الخطأ ولا تبريرًا للجريمة، بل مطالبةٌ بعدالةٍ حقيقية لا تعرف الانتقائية، وإنصافٍ يطال الجميع دون استثناء. فالعدالة لا تكون بعدد السنوات التي يقضيها الإنسان بلا محاكمة ، ولا بصناعة بيئاتٍ تشعر أنها مستهدفة أو متروكة أو محرومة من أبسط حقوقها الإنسانية والقانونية.
وفي خضم هذا الواقع القاسي، يأتي عيد الأضحى ليذكرنا بمعاني التضحية والرحمة والتكافل، لا بمعاني الإقصاء والظلم والتمييز.
فالعيد الحقيقي ليس في كثرة الولائم ولا في مظاهر الاحتفال ، بل في أن يشعر المظلوم أن هناك من يسمع أنينه، وأن يشعر المحروم أن له مكانًا في هذا الوطن، وأن يشعر الموقوف المظلوم أن العدالة لم تمت بعد.
العيد الحقيقي أن تُفتح أبواب الرحمة قبل أبواب البيوت ، وأن تُرفع المظالم عن الناس، وأن يعود للوطن ميزان العدالة الذي إختلّ طويلًا. فلا يمكن لوطنٍ أن يستقر وفي داخله فئات تشعر بالقهر والخذلان، ولا يمكن للبنان أن ينهض ما دام أبناؤه يعيشون تحت وطأة التمييز والحرمان والخوف من المستقبل.
ويبقى الأمل بالله تعالى أن يأتي يومٌ يُنصف فيه المظلوم، ويُطلق فيه سراح من طال إنتظارهم خلف القضبان، ويعود فيه لبنان وطنًا لجميع أبنائه، لا ساحةً للمحاصصة والتمييز والإستقواء، بل وطن العدالة والرحمة والكرامة والعيش الكريم.
كل عام وأنتم ولبنان بألف خير
أخوكم الشيخ مظهر الحموي
رئيس لجنة الدعوة والمساجد وحماية التراث في المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى في الجمهورية اللبنانية
عضو اللجنة القضائية في المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى في الجمهورية اللبنانية
