وجه المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان رسالة في يوم عرفات، جاء فيها: “يقول الله تعالى: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ)، والقضية هنا أمة الله بما تعنيه من قوة فكرية وحضارية وأخلاقية وقدرة تنظيم وتطوير وتأثير في دنيا الإنسان عبر صيغة تضع تنوع مذاهب هذه الأمة ضمن مشروع وحدوي ضامن، وبذلك يتجلى مشهد عرفات كأرض لا مالك لها إلا الله بسياق منطق الأمة الواحدة التي لا يقبل الله لها أي تمزيق أو تفريق أو انقسام”.
وضاف: “وبهذا المجال يقدّم الله صعيد عرفة كأهم منسك توحيدي بعد الكعبة ليطال روح الأمة وهويتها ووظيفتها، فالقضية أمة الله بما تعنيه من رابط الدين والتنظيم والوحدة الجامعة، لذا حدّثنا الله هنا عن “الأمة المتنسكة” ببعد النظر عن الجغرافيا واللون والعرق واللغة والهوية السياسية والميزة الاقتصادية، كما أسس لمنطق ذوّب اللهُ فيه الفوارق الطبقية والإجتماعية ليكون الجميع “أمام أمة واحدة لرب واحد”، والحج بهذا المعنى الجامع يفترض هدم الأصنام النفسية والطبقية والسياسية والتمزيقية وفق منطق (وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) ليضع الأمة المسلمة الواحدة بقلب صعيد واحد يتناسب مع مناسك الله التوحيدية، ليس فقط للطواف أو السعي أو الصلاة أو الصعيد بل للإقرار بما لأهل الإسلام على بعضهم من أخوة وتضامن وتعاون ونصرة ودفاع وتكافل ووحدة حال وأمن شامل، وهذا عين قوله تعالى: (وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا)، لأن الله يريد لأمته أن تؤدّي طقوسها بقلب الجغرافيا الإلهية التي تبتلع الفوارق الجغرافية والسياسية والمالية وباقي الميزات الاجتماعية والإثنية والعرقية وغيرها على قاعدة وحدة حقوق هذه الأمة المسلمة. وبهذا يضعنا الله بقلب مشروع الأمة المسلمة وما يلزم لصناعة التاريخ بعيداً عن لعنة التفريق والتمزيق الذي يدفع هذه الأمة نحو قاع الفشل والخسارة التاريخية، وبهذا فإنّ الحج وموقف عرفات يعيد صياغة تعدديتنا المذهبية بقالب الوحدة العامة المحكومة بالأمة التوحيدية. ورمزية المبدأ هنا تختصره معادلة:( سَوَاء الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ)، لأن مبدأ الله هنا التوحيد مع التأسيس لمفهوم الحرمة الجامعة وفق قوله تعالى:(وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً) بما يعنيه الأمن بلسان الحرم الآمن وما يلزم لحرمة الأمة المسلمة وحرمة أمنها الذي يمنع أي خصومة أو اصطفاف يصبّ بصالح أعداء الدين والإنسانية، وهو مطلوبنا اليوم وسط غابة دولية تنهش الدول والشعوب وتنتهك حرماتها، فيما التاريخ حدّثنا سابقاً عن الأمة الإسلامية التي كرّست وحدتها فتحوّلت إلى أكبر حضارة وقدرة بالتاريخ، كما حدّثنا عن الأمة الإسلامية التي حين خسرت وحدتها خسرت مكانتها العالمية وسقطت بنفق الضياع والتمزيق والتبعية القاتلة”.
وتابع: “وما نعيشه اليوم كارثي بسبب تفرّق هذه الأمة وتزايد خصوماتها وسط لعبة دولية تزيد من تمزيق هذه الأمة ونهب ثرواتها ومصادرة سلطاتها ومنع وحدتها، وللأسف منظمة العالم الإسلامي وباقي الصيغ المختلفة مثل الجامعة العربية فشلت بشدة، والسبب فشل الهيكل المنظِّم لها فضلاً عن لعبة الأمم التي تضغط لتمزيق هذه الأمة وتمنع وحدتها، والحل ببناء نواة اتحاد إسلامي موثوق من السعودية وإيران وباكستان وتركيا ومصر والعراق والجزائر وأندونيسيا لتكون الأساس الأول لأي تكتل سياسي إقتصادي قوي ومنظّم وقابل لجمع الكتلة الإسلامية كلها بإطار عالمي واحد، واليوم العالم كله كتل، ودون الإنضمام إلى كتلة قوية لا يمكن للدول تأمين استقلالها أو الإنتفاع الحقيقي بثرواتها أو أصولها الدفاعية والسيادية، ومشهد العالم اليوم تتوزعه مجموعة بريكس والإتحاد الأوروبي وآسيان ومنظمة شنغهاي ونافتا فضلاً عن مجموع الكتل التي تتزعمها واشنطن مثل مجموعة العشرين والدول السبع وغيرهم وصولاً لقواعد الحلف الأطلسي الذي يشكل أكبر قوة عسكرية تعكس طبيعة التحالف الشامل بين أميركا وأوروبا”.
ولفت الى ان “اللحظة لإنقاذ الأمة الإسلامية من مشاريع التفرّق والتمزق والتبعية القاتلة، وأي اتحاد إسلامي يتم تشكيله سيضم أضخم كتلة بشرية بعدد يتجاوز 2 مليار نسمة وتصل ثروته من احتياطات النفط والغاز إلى أكثر من 70 بالمية فضلاً عن سيطرة مطبقة على حقول المعادن والمعادن النادرة بما في ذلك كل الممرات المائية العالمية وهي مضيق هرمز والسويس وباب المندب والبوسفور والدردنيل بالإضافة إلى شموله لأكبر قوة بمجال التنوع الاقتصادي والتكامل الإنتاجي مع ميزة وجود قواعد تكنولوجية وصناعية ومالية كبيرة ومنها قوى نووية بالشقين العسكري والمدني بقلب هذا الإتحاد الإسلامي، وأي اتحاد إسلامي هذه صفاته سيحظى بأكبر نفوذ جيوسياسي وإقتصادي وعسكري وبشري على الإطلاق. واللحظة للحقيقة، ولا فرصة اليوم أكبر من هذه الفرصة، لأنّ واشنطن التي تتعامل مع الشرق الأوسط كقوة مرجعية منفردة خسرت حربها ضد إيران وتعيش الآن أسوأ حاجتها لدول الخليج المسلمة، ومصلحة الدول الإسلامية اليوم بكسر هيمنة واشنطن وبناء نواة اتحاد إسلامي قوي، ولا خيار أمام الدول الإسلامية إلا هذا الخيار، والله تعالى ونبيكم الأعظم والإسلام يدعوكم للوحدة والإتحاد، ولا خيار إلا الإتحاد الإسلامي وسط عالم إسلامي ممزق وغابة دولية يأكل القوي فيها الضعيف”.
وختم قبلان: “المطلوب استغلال التاريخ، خاصة أن تل أبيب مع تدمير قطاع غزة قدّمت نفسها عبر خرائط إسرائيل الكبرى وعينها على أغلب الشرق الأوسط، واليوم إسرائيل تعيش أسوأ أزماتها على طول الحافة الأمامية لجنوب لبنان بفضل تضحيات المقاومة وقتالها الأسطوري، ويجب إنقاذ فلسطين والقدس ومنع المشروع الإسرائيلي المدعوم من أميركا والأطلسي، ويجب الخلاص من الفتن الإسلامية الإسلامية، والعين على السعودية وإيران وتركيا وباكستان والجزائر، ولا خطر على المنطقة بأسرها أكبر من مشاريع أميركا والحلف الأطلسي، ولا خطر على فلسطين وسوريا ولبنان والأردن ومصر أكبر من المشروع الصهيوني الأميركي، والمشروع الصهيوني الآن ينازع والفرصة بيد العرب والمسلمين. واللحظة لأن نتحد بالله ودينه ونبيه الأعظم وسط مشهد سماوي يجمع أهل الإسلام كلهم فوق صعيد عرفات ليؤكد حقيقة الإسلام الضامن لأمة التوحيد المطلق لله”.
