صرخة أمّ تهزّ سباق بيروت: “يا مي الخليل… أنتِ متهمة بقتل ابني محمد علي دعبول”

بيروت — في سباق كان يُراد له أن يكون احتفالاً رياضياً عالمياً، تحوّل خط الانطلاق في واجهة بيروت البحرية إلى ساحة مواجهة أخلاقية وقضائية مفتوحة. لم تكن الصرخة هذه المرّة ضد خصم رياضي، ولا ضد نتيجة سباق، بل ضد منظومة تنظيمية تقول عائ لة العدّاء الراحل محمد علي دعبول إنها لم تحمِ ابنها عندما سقط، ولم تجب حتى اليوم عن السؤال الأهم: لماذا مات؟

قبل انطلاق سباق “وان غلوبال ران” الذي نظمته جمعية بيروت ماراثون يوم السبت 23 أيار 2026، دخلت والدة محمد علي دعبول، ومعها عدد من أفراد العائلة والمحبين، إلى حفل السباق رافعةً الصوت في وجه رئيسة الجمعية مي الخليل. لم تأتِ لتشارك في دقيقة صمت، بل لتكسر صمتاً تعتبره العائلة أخطر من الموت نفسه.

وحين دُعي الحضور إلى الوقوف دقيقة صمت عن أرواح الشهداء وعن روح العدّاء الراحل محمد علي دعبول، رفضت والدته أن يتحوّل اسم ابنها إلى فقرة بروتوكولية في افتتاح سباق جديد. صرخت في وجه مي الخليل، بحسب ما نقلته العائلة والمقربون منها:

“يا مي الخليل… أنتِ متهمة بقتل ابني محمد علي دعبول.”

كانت الجملة كافية لنسف المشهد الاحتفالي كله. فالأم لم تكن تتحدث من موقع الخصومة العابرة، بل من موقع الفاجعة. ابنها، الشاب الذي شارك في سباق “الرولينغ هاف”، توفي بعد تعرضه لعارض صحي مفاجئ خلال مشاركته في الحدث. لكن عائلته ترفض أن تُطوى القضية تحت عنوان “قضاء وقدر”، وتصرّ على أن ما جرى يجب أن يُقرأ تحت عنوان آخر: هل حصل إهمال؟ هل حصل تقصير؟ وهل تُرك محمد علي على الأرض أكثر من نصف ساعة من دون تدخل طبي فعّال؟

هذه هي الأسئلة التي حملتها والدة دعبول إلى السباق الأخير. أسئلة موجعة، مباشرة، ومحرجة: أين كان الفريق الطبي؟ لماذا لم يحصل التدخل بالسرعة المطلوبة؟ هل كان جهاز الصدمات الكهربائية AED موجوداً وقريباً من مكان سقوطه؟ وإذا لم يكن موجوداً، فمن يتحمل مسؤولية غيابه في سباق تنظمه جمعية يفترض أنها تملك الحد الأدنى من بروتوكولات السلامة الطبية؟

المسألة لم تعد فقط مطالبة بتحقيق. العائلة اليوم ترفع سقف المطالبة إلى حدّ واضح وصريح: كفّ يد مي الخليل عن رئاسة جمعية بيروت ماراثون إلى حين صدور حكم القضاء اللبناني في ملف محمد علي دعبول.

هذه المطالبة ليست حكماً مسبقاً، بل إجراء احترازياً أخلاقياً وتنظيمياً، بحسب منطق العائلة. فكيف يمكن لرئيسة جمعية تواجه اتهاماً عائلياً وقضائياً بالإهمال والتسبب بوفاة مشارك في سباق، أن تستمر في قيادة السباقات وإدارة المشهد نفسه قبل أن يقول القضاء كلمته؟ وكيف يمكن للجمعية أن تطلب من الناس الثقة الكاملة فيما لا تزال قضية شاب مات على مسار سباقها مفتوحة أمام القضاء والرأي العام؟

اللافت أن السباق الأخير جاء محمّلاً بإجراءات طبية ولوجستية ضخمة: وحدات من الجيش وقوى الأمن، الصليب الأحمر اللبناني، عشرات المسعفين، سيارات إسعاف، عناصر من الدفاع المدني، سيارات إنقاذ، دراجات ميدانية، غرفة عمليات، مدير طبي للسباق، ووحدات علاج فيزيائي. بدا المشهد وكأن المنظومة تريد أن تقول إنها جاهزة، منظمة، ومحاطة بكل عناصر السلامة.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقسوة هو: لماذا الآن؟

لماذا تظهر هذه الجهوزية بهذا الحجم بعد وفاة محمد علي دعبول؟ لماذا تُستعرض سيارات الإسعاف والدراجات وغرف العمليات بعد الفاجعة؟ ولماذا لم يشعر أهل محمد علي، بحسب روايتهم، بأن هذه الجهوزية كانت حاضرة عندما كان ابنهم ممدداً على الأرض ينتظر من ينقذه؟

هنا يصبح السباق الأخير، شاء المنظمون أم أبوا، شاهداً على ما قبله. فكل سيارة إسعاف ظهرت على المسار طرحت سؤالاً عن سيارة الإسعاف التي لم تصل في الوقت المناسب، بحسب اتهامات العائلة. وكل دراجة إنقاذ وُزعت على الطريق أعادت السؤال عن دقائق محمد علي الأخيرة. وكل حديث عن الجهوزية الطبية أعاد فتح الجرح الأكبر: هل كان يمكن إنقاذه لو كان جهاز AED موجوداً وقريباً؟ هل ضاعت دقائق ثمينة؟ وهل كانت تلك الدقائق الفاصلة بين الحياة والموت؟

والدة محمد علي لم تقتحم السباق لتشوّه حدثاً رياضياً، بل لتمنع تحويل موت ابنها إلى هامش. لم تكن ضد الرياضة، بل ضد رياضة تحتفل قبل أن تحاسب. ضد منصة تتحدث عن الأمل فيما أمّ ما زالت تسأل عن سبب موت ابنها. ضد مؤسسة تريد أن تمضي إلى السباق التالي فيما العائلة لم تحصل بعد على أجوبة عن السباق السابق.

في المقابل، قد تقول جمعية بيروت ماراثون إن كل الإجراءات اتخذت، وإن الوفاة جاءت نتيجة عارض صحي مفاجئ. لكن هذا القول، مهما تكرر، لا يكفي وحده لإقفال الملف. فالقضية لم تعد بياناً إعلامياً. القضية أمام القضاء. والاتهام المرفوع من العائلة خطير: إهمال، تقصير، وتأخر في التدخل، وغياب أو عدم توافر جهاز صدمات كهربائية كان يفترض أن يكون جزءاً أساسياً من تجهيزات أي سباق منظم.

لذلك تبدو المطالبة بكفّ يد مي الخليل عن رئاسة الجمعية مطلباً منطقياً في سياق المحاسبة العامة. ليس لأن القضاء أدانها بعد، بل لأن موقعها على رأس الجمعية يضعها في قلب المسؤولية التنظيمية والأخلاقية. وفي أي مؤسسة تحترم الشفافية، يكفي أن تقع وفاة بهذا الحجم، وأن تُفتح دعوى بهذه الخطورة، حتى يتراجع المسؤول الأول خطوة إلى الوراء إلى حين انتهاء التحقيقات.

أما أن يستمر المشهد وكأن شيئاً لم يحدث، وأن تُنظم السباقات تحت الشعارات نفسها والوجوه نفسها والإدارة نفسها، فهذا ما ترفضه العائلة. فالموت، بالنسبة إليها، لم يكن تفصيلاً. ومحمد علي لم يكن رقماً في قائمة المشاركين. كان ابناً، شاباً، وعدّاءً دخل سباقاً وعاد منه جثماناً.

لقد أرادت جمعية بيروت ماراثون أن تقول للعالم إن بيروت تركض، وإن الرياضة تعيد الأمل إلى المدينة. لكن والدة محمد علي دعبول قالت ما هو أقسى وأصدق: لا أمل بلا حقيقة، ولا رياضة بلا حماية، ولا سباق بلا محاسبة.

في ذلك الصباح، كان هناك 1500 عداء وعداءة، وشعارات عن الحياة، ورايات، ومنصات، وكلمات افتتاحية. لكن الصوت الذي بقي أعلى من الجميع كان صوت أمّ مفجوعة تقول لرئيسة الجمعية:

“أنتِ متهمة بقتل ابني.”

وبين هذا الاتهام الصارخ وبين انتظار حكم القضاء، تبقى المطالبة واضحة: كفّ يد مي الخليل عن رئاسة جمعية بيروت ماراثون، إلى حين أن يقرر القضاء اللبناني من قصّر، ومن أهمل، ومن ترك محمد علي دعبول يسقط على الأرض من دون أن يجد، بحسب رواية عائلته، الإنقاذ الذي كان يفترض أن يكون هناك.

Exit mobile version