الرصاصة تقتل شخصًا، أمّا المخدّرات فتقتل مجتمعًا بأكمله.
قد تبدو العبارة قاسية، لكنها تختصر حقيقةً مُرعبة نعيشها يوميًا، حيث تحوّلت المخدّرات من آفةٍ فردية إلى حربٍ صامتة تضرب المجتمعات من الداخل، بلا ضجيج، وبلا رحمة.
الرصاصة تُطلق مرة واحدة، تُصيب جسدًا، وتنتهي الجريمة غالبًا عند حدود الضحية. أمّا المخدّرات، فهي رصاصٌ بطيء، يدخل إلى العقل والروح والعائلة والشارع والمدرسة والجامعة ومكان العمل. لا تقتل إنسانًا واحدًا فقط، بل تُسقط معه مستقبلًا كاملًا، وتفتح أبواب الانهيار أمام كل من يحيط به.
المتعاطي لا يؤذي نفسه وحده كما يعتقد البعض. خلف كل مدمن أمّ تبكي بصمت، وأب ينهار قهرًا، وأطفال يعيشون الخوف، وعائلة تُستنزف نفسيًا وماديًا واجتماعيًا. فالمخدّرات لا تدخل بيتًا إلا وتسرق منه الطمأنينة، وتحوّل العلاقات إلى توتر دائم، وتزرع العنف، والكذب، والسرقة، والانهيار الأخلاقي.
والأخطر من ذلك أنّ المخدّرات لا تبقى دائمًا في إطار التعاطي الفردي، بل كثيرًا ما تتحوّل إلى جرائم مباشرة. كم من جريمة قتل، أو حادث سير، أو اعتداء، أو عنف أسري، كان خلفه شخص فاقد للوعي تحت تأثير المخدّر؟ هنا تصبح المخدّرات أخطر من الرصاص نفسه، لأنّ متعاطيها قد يتحوّل إلى رصاصة تمشي على قدمين، لا يدرك حجم الدمار الذي يسببه لنفسه وللآخرين.
المشكلة أيضًا أنّ تجّار المخدّرات لا يبيعون مادة فقط، بل يبيعون الوهم والموت والانهيار. يستهدفون الشباب تحديدًا، لأنّ الشباب هم طاقة المجتمع ومستقبله. وكل شاب يسقط في هذا المستنقع، تخسر الدولة جزءًا من قوتها، ويخسر الوطن عقلًا كان يمكن أن يبني، ويُنتج، ويُبدع.
من هنا، فإنّ مواجهة المخدّرات ليست مسؤولية الأجهزة الأمنية وحدها، رغم أهمية الضرب بيدٍ من حديد على المروّجين والتجّار. المواجهة الحقيقية تبدأ من البيت، ومن التربية، ومن المدرسة، ومن الإعلام، ومن الوعي المجتمعي. فالشاب الواعي أقل عرضة للسقوط، والعائلة المتماسكة تشكّل خط الدفاع الأول، والدولة التي تؤمّن فرص العمل والاحتواء تحاصر أسباب الانهيار قبل نتائجه.
كما أنّ المدمن، في كثير من الحالات، ليس مجرمًا بقدر ما هو إنسان سقط في الضعف أو الهروب أو الضياع، ويحتاج إلى علاجٍ حقيقي واحتواء وإعادة دمج في المجتمع، بدل الاكتفاء بالنظرة القاسية أو الأحكام الجاهزة. فمحاربة المخدّرات لا تكون فقط بالعقاب، بل أيضًا بفتح أبواب النجاة لمن يريد العودة إلى الحياة.
إنّ أخطر ما في المخدّرات أنّها تقتل ببطء، وتجعل المجتمع يعتاد الكارثة تدريجيًا. لذلك لا يجوز التعامل معها كخبر عابر أو مشكلة ثانوية. إنها معركة وجود، معركة وعي، ومعركة حماية لجيلٍ كامل قبل أن يتحوّل الوطن إلى ضحية جماعية.
فالرصاصة قد تُطفئ حياة إنسان…
لكنّ المخدّرات قادرة على إطفاء وطنٍ بأكمله.
*عميد ركن متقاعد
