بين “الأمير” الوهمي و”العقيد” المزيّف… أين مناعة الدولة؟

بقلم// العميد الركن المتقاعد د. جوزف س. عبيد

في أي دولة في العالم، قد يظهر محتال.
قد ينتحل شخص صفة أمير، أو ضابط، أو رجل أعمال، أو صاحب نفوذ. هذه ليست الظاهرة الخطيرة بحد ذاتها، لأن الاحتيال قديم قِدم البشر.
لكن الخطير فعلًا هو: كيف ينجح هذا المحتال؟ وكيف يجد من يصدّقه؟ وكيف تُفتح له الأبواب؟
هنا تبدأ المأساة اللبنانية.
حادثتان بدتا للكثيرين وكأنهما مادة للسخرية أو الطرائف السوداء، لكنهما في الحقيقة تكشفان أزمة أعمق بكثير من مجرد انتحال صفات.
الأول رجل قدّم نفسه على أنه أمير سعودي، فتواصل مع سياسيين، وأقنع بعضهم برغباته أو ربما برغبات من يقف خلفه.
والثاني عامل دليفري، انتحل صفة عقيد عراقي في السفارة العراقية، وحاول الدخول إلى المجال الأمني تحت عنوان “التنسيق الأمني”.
في الظاهر نحن أمام شخصين مارسا الخداع.
أما في الجوهر، فنحن أمام منظومة قابلة للاختراق بسهولة مخيفة.
المشكلة لم تكن فقط في مهارة المنتحل، بل في هشاشة البيئة التي استقبلته.
فالمحتال لا ينجح بقوته، بل بنقطة ضعف لدى الآخر.
وحين يستطيع شخص أن يقترب من دوائر سياسية أو أمنية فقط لأنه أتقن اللهجة المناسبة، أو حمل لقبًا رنانًا، أو لعب على وتر النفوذ والعلاقات، فهذا يعني أن الأزمة أعمق من حادثة فردية. إنها أزمة مناعة.
في لبنان، يبدو أحيانًا أن بعض الأبواب لا تُفتح بالكفاءة، بل بالهالة.
الاسم الكبير يسبق الحقيقة.
الرتبة تسبق التحقق.
والانبهار بالنفوذ الخارجي يسبق السؤال البديهي: من هذا الشخص أصلًا؟
كأنّ البلد تحوّل إلى خشبة مسرح، يكفي أن يحفظ الممثل دوره جيدًا حتى يمرّ بين المؤسسات والسياسيين وربما حتى بعض الأمنيين.
المفارقة أنّ المنتحلين فهموا تركيبة النظام اللبناني أكثر مما فهمها كثيرون داخله.
فهموا أن المجتمع السياسي مأخوذ أحيانًا بفكرة “العلاقات الخارجية”، وأن بعض البيئات ترتبك أمام الألقاب، وأن الشكل قد يسبق المضمون.
وهنا تصبح المشكلة أخطر من مجرد احتيال مالي أو معنوي، لأنها تمسّ صورة الدولة نفسها.
الدولة القوية لا تعتمد على الانطباعات، بل على المؤسسات.
لا يهم فيها من تكون، بل كيف يتم التحقق منك.
ولا يفتح فيها باب أمني أو سياسي لأن شخصًا قال إنه “أمير” أو “عقيد”، بل لأن هناك نظامًا كاملًا من التدقيق والمتابعة والمحاسبة.
أما حين تصبح المظاهر قادرة على اختراق الجدران، فهذه ليست مشكلة أفراد فقط، بل خلل في الثقافة العامة للشأن العام.
لهذا يبدو السؤال أساسيًا اليوم:
ما هو “الطعم” الذي يجب أن يُحقن به كل من يتعاطى الشأن العام في لبنان؟
ربما هو لقاح ضد الانبهار.
لقاح ضد الخضوع النفسي للألقاب والنفوذ.
لقاح يجعل المسؤول يشك قبل أن يصدّق، ويتحقق قبل أن يفتح الأبواب.
وربما قبل كل شيء، لقاح يعيد الاعتبار لفكرة الدولة لا لفكرة الأشخاص.
لأن أخطر ما في هذه القصص ليس أن هناك من ينتحل الصفات، بل أن هناك من لا يزال يعتقد أن الهيبة تُصنع باللقب لا بالحقيقة، وبالصورة لا بالمؤسسات.
وحين تصل دولة إلى مرحلة يصبح فيها “أمير وهمي” قادرًا على اختراق السياسة، و”عقيد مزيف” قادرًا على الاقتراب من الأمن، يصبح السؤال أكبر من فضيحة عابرة:
هل المشكلة في المحتال… أم في البيئة التي جعلت الخداع ممكنًا إلى هذا الحد؟

Exit mobile version