السياسة والمال والطائفية ثلاثي هدم الوطن يجتمع في كلمة واحدة ” فاسد”…

بقلم// العميد الركن المتقاعد د. جوزف س. عبيد 

لبنان اليوم يقف على حافة احتمالين متناقضين: إمّا استمرار الانهيار البطيء، وإمّا بداية نهوض طويل وصعب. لكن بين هذين الاحتمالين، هناك حقيقة أساسية لا يمكن تجاوزها: لا اقتصاد بلا دولة، ولا دولة بلا عدالة، ولا عدالة بلا محاسبة.
اقتصاديًا، ما ينتظر لبنان مرتبط بعدة ملفات مترابطة. أولها الإصلاح السياسي والمالي، إذ لا يمكن لأي دعم خارجي أو داخلي أن يُترجم إلى نهوض حقيقي ما لم تُعالج جذور الخلل في القضاء، الكهرباء، الإدارة العامة، والتهرب الضريبي. العالم لا يموّل الفوضى، بل يموّل أنظمة قادرة على إدارة نفسها بحد أدنى من الشفافية.
ثانيًا، ملف المصارف وأموال المودعين، وهو الجرح الأكبر في الجسد الاقتصادي. فقدان الثقة بين المواطن والمصرف ليس تفصيلًا، بل هو أساس الانهيار. عندما يفضّل الناس تخزين أموالهم في البيوت بدل إيداعها في البنوك، فهذا يعني أن الدورة الاقتصادية تعطلت من جذورها.
ثالثًا، لبنان شديد التأثر بالتحولات الإقليمية. أي تهدئة في المنطقة تفتح نافذة استقرار وسياحة وتحويلات، وأي تصعيد يعيد الضغط فورًا على الاقتصاد. البلد ما زال يتحرك ضمن بيئة خارجية لا يملك السيطرة عليها بالكامل.
رابعًا، ملف النفط والغاز، الذي يُطرح كأمل استراتيجي طويل الأمد، لكنه ليس حلًا سريعًا. حتى في حال وجود ثروات تجارية، فإن تحويلها إلى نعمة اقتصادية يحتاج إلى سنوات من الاستقرار، وإلى دولة شفافة قادرة على إدارة الموارد دون تحويلها إلى مصدر جديد للفساد.
خامسًا، يبقى العامل الأهم هو الشعب اللبناني نفسه، الذي رغم الانهيار ما زال يخلق فرصًا، ويعتمد على التحويلات والهجرة والمبادرات الفردية لإبقاء الحياة الاقتصادية مستمرة. اقتصاد لبنان اليوم قائم بدرجة كبيرة على طاقة الناس لا على قوة المؤسسات.
لكن خلف كل ذلك، هناك شرط غير قابل للتجاوز: مكافحة الفساد ومحاسبة الفاسدين على كافة المستويات.
لأن أي إصلاح اقتصادي يبقى شكليًا إذا لم يترافق مع عدالة فعلية. لا يمكن طلب التضحية من الناس بينما من تسببوا بالانهيار خارج المحاسبة. ولا يمكن إعادة بناء الثقة من دون قضاء مستقل يضع حدًا لثقافة الإفلات من العقاب.
المشكلة في لبنان أن الفساد لم يعد مجرد حالات فردية، بل أصبح شبكة مصالح متداخلة بين السياسة والمال والإدارة والطائفية، ما جعل المحاسبة معركة معقدة وليست تقنية فقط. ومع ذلك، الدول لا تنهار لأن الفساد موجود، بل تنهض عندما يصبح الفاسد خائفًا من القانون، لا محميًا منه.
النتيجة أن المرحلة المقبلة تبدو واضحة الملامح: لا انهيار شامل جديد سريع لأن الجزء الأكبر من الصدمة وقع أصلًا،
ولا تعافٍ حقيقي من دون إصلاحات جذرية ومحاسبة جدية،
واستمرار اقتصاد “الحد الأدنى” القائم على التحويلات، السياحة الموسمية، والمبادرات الفردية، إلى أن تتغير قواعد اللعبة.
لبنان اليوم ليس بلدًا بلا إمكانيات، بل بلدًا بلا ثقة.
وإعادة بناء الثقة تبدأ من نقطة واحدة: أن يصبح القانون أعلى من الجميع، بلا استثناء.

Exit mobile version