ميرنا مولوي في لقاء مع الدكتورة الباحثة هالة ابو حمدان: البلد بأكمله لم يعد يملك حرية القرار

شهد مركز مولوي الثقافي في طرابلس لقاء مع الباحثة والكاتبة أ.د. هالة ابو حمدان بعنوان” التداعيات الاستراتيجية للحرب الأميركية- الإسرائيلية على إيران على المنطقة ولبنان”. وقد إستُهل اللقاء بكلمة لصاحبة المركز السيدة ميرنا مولوي رحبت فيها بالدكتورة ابو حمدان والحضور المتنوع. وتطرقت فيها ايضاً الى عناوين ومحطات سياسية كما جاء في نصها التالي:

أهلاً وسهلاً بكم في هذا اللقاء الفكري بامتياز، وإن اجتمعنا اليوم، فهو دليل على عمق الثقافة التي يتمتّع بها الحضور، لتلبيةً دعوتنا للاستماع إلى موضوعٍ ثقيل مع ضيفة كريمة، دعونا نرحّب بها: الأستاذة الدكتورة هالة أبو حمدان، أهلاً وسهلاً بكِ في مدينتكِ طرابلس الفيحاء…

ماذا يحصل في المنطقة؟ ماذا يحصل في الجنوب؟
سؤال صعب لم يعد يطرحه الكثير من المحلّلين، وبالأخص اللبنانيين الذين ملّوا الحروب وانصرفوا إلى ممارسة حياتهم اليومية بعيداً عمّا يحصل في المنطقة. فالبلد ما زال يرزح تحت مشاكل اقتصادية وسياسية جمّة، ليجد اللبناني نفسه بين فكَّي التهديد: التهديد الاقتصادي الذي يزداد يوماً بعد يوم، بعد تداعيات الحرب في المنطقة، من الدمار والنزوح، وفكّ التهديد الإسرائيلي ـ الأميركي لشعوب المنطقة، ولا سيّما الجنوب الذي يفتدي بنفسه، تخاذل أمّة بأكملها، ويتلقّى عنها الضربات منذ احداث السابع من أكتوبر 2023.

ففي الوقت الذي يتّجه فيه لبنان إلى مفاوضات تحت النار، هناك قرى تُباد بأكملها بسياسة الأرض المحروقة، في صمتٍ عربي يشبه الصمت تجاه الجرائم الإنسانية في غزة. فهذه الخروقات الإسرائيلية اليومية لما يُسمّى “الهدنة” الهشّة، قد فرضت مفهوماً جديداً للحرب على لبنان.

فالمهم إعلامياً أن بيروت قد حُيّدت عن الضربات، اما ما يحصل في الجنوب اصبح خبراً يومياً يكاد اللبناني يظن انه يحصل في بلد آخر فكيف نجح العدو بفك الارتباط الوطني في الجنوب ؟

أليس لبنان ذلك البلد الصغير، بمساحته البالغة 10452 كلم²، الذي يتغنّى به اللبنانيون على اختلاف انتماءاتهم الحزبية والدينية؟ وكيف يقبل اللبنانيون خسارة هذه الثروة الطبيعية، بشعبها وأرضها وزراعاتها وأنهارها؟ وماذا يبقى من لبنان إذا خسر الجنوب؟

لم يعد السؤال: من بدأ؟ أو لماذا بدأوا؟ بل هناك سؤال آخر يجب طرحه: ماذا نفعل؟ وكيف نحمي أرضنا؟ أما المعضلة الكبرى، فتكمن في ما يطرحه الغرب علينا.

هذا الغرب الذي يتمايل بحسب ما تقتضيه مصالحه، فلم يعد يكفي ما قاله المبعوث الأميركي المثير للجدل، توم باراك، في إحدى مقابلاته، حين قال إنه لم يعد يعترف بتقسيم سايكس ـ بيكو، وإن هذا التقسيم انتهت صلاحيته ولم يعد مناسباً، فلا توجد بلدان بل قبائل وشعوب تحتاج إلى رسم حدود جديدة.

فهل نحن أمام شرق أوسط جديد؟

شرق أوسط يتناسب مع الطموحات الأميركية ـ الإسرائيلية في المنطقة؟

لذلك، هم اليوم في حرب مع كل حركات المقاومة التي تقف في وجه هذا المشروع، الذي يسعى إلى تقسيم المنطقة إلى أقليات عرقية متناثرة، تفسح المجال أمام الهيمنة الإسرائيلية في المنطقة.

ثم تأتي مقابلة أخرى يتكلّم فيها عن ضرورة تسليح الجيش اللبناني، بقوله نحن نعطيه سلاحاً ليحارب شعبه في الجنوب، وليس ليقاتل اسرائيل “أيّ سلاح على الاد” يخدم الخطّة التوسعية في المنطقة.

فعلى ماذا ترتكز المحادثات اليوم بين دولٍ تبني استراتيجياتها و تفاهماتها على منطق القوّة، وضمن معادلات دقيقة تؤمّن من خلالها مصالحها على المدى البعيد؟ج

وكيف يحصل لبنان على ضمانات من دولٍ تتلاعب بالمواثيق الدولية، وتغيّر تصريحاتها اليومية على مدار الساعة؟

لقد شهد لبنان الكثير من الحروب على مرّ العقود، حتى أصبح لديه نوع من المناعة الداخلية كي لا ينجرّ إلى حروب داخلية، ولكن كيف يصمد أمام الحروب الإعلامية والتكنولوجية؟

فنحن نشهد اليوم إعادة تموضع لدول المنطقة بأكملها، بما فيها إسرائيل، التي لم تعد دولة تطلب التطبيع أو الاعتراف بها، بل قوّة تطمح إلى التوسّع، وتنفّذ ضربات عسكرية واستخباراتية في كلّ المنطقة بدعم أميركي. ولم تعد البلاد العربية، المطبّعة وغير المطبّعة، بمنأى عن الحرب الأميركية ـ الإيرانية، حتى إنها لم تسلم من المحاولات الإسرائيلية الفاشلة لجرّها إلى أتون الصراع.

وقد نجحت هذه الحرب، رغم فشلها في نهاية المطاف، في تمييع القضية وإسكات الكثير من الأصوات التي تلاشت عن الدفاع عن المقدسات، كالمسجد الأقصى الذي أُغلق للمرة الأولى أربعين يوماً، وعن المآسي الإنسانية التي تشهدها غزة، حتى بتنا نرى تغيّر مواقف الكثير من السياسيين الذين باتوا يخافون على مستقبلهم السياسي

وفي ضوء التلاعب الإعلامي في تصوير الحقائق، وطمس البيانات التي تدعو إلى الالتفاف الوطني، تبرز الفتنة لتبرير ما يفعله العدو من استباحةٍ لأراضينا في الجنوب. ولتنعم بلادنا بالسلام، أصبحنا أمام معادلة جديدة: خذوا كل ما لدينا واتركونا نعيش بأمان.

في الوقت الذي تشهد فيه البلاد الأوروبية صحوةً متأخرة لتدرك عجزها أمام العملاق الأميركي، الذي يريد ابتلاع ثروات الشعوب لينجو من التضخّم المالي غير المعلن الذي يعيشه اليوم، فإن قرار السلم والحرب لم يعد يتعلّق بسياسيّي لبنان، الذين لا يستطيعون أن يقرّروا أيّ شيء من دون توافق فرنسي ـ أميركي ـ سعودي ـ إماراتي، فالبلد بأكمله لم يعد يملك حرية القرار.

وفي الختام، نحن أمام مرحلة مفصلية، لن أقول في تاريخ لبنان فحسب ، بل في تاريخ المنطقة، تحتاج إلى وعيٍ وقراءة دقيقة للواقع الإقليمي. فلنستقبل سوياً ضيفتنا الدكتورة هالة ابو حمدان ، لتطلعنا على آخر المستجدات والتداعيات الاستراتيجية للحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على لبنان والمنطقة.

Exit mobile version