كتب// زياد شبيب في “النهار”
مرّة أخرى يجري بحث العفو العام بناء على مطالبات المتابعين، بطريقة علميّة من زاوية المبادئ في التشريع والسياسة، في إزاء التداول العام الذي تغيب عنه هذه النظرة وتقتصر على الأبعاد الطائفية والتحاصصيّة.
تذكير واجب أن العفو العام هو بطبيعته استثناء من المبدأ، والقوانين ولا سيما الجزائية منها كقانون العقوبات وقانون أصول المحاكمات الجزائية، تطبّق على الجميع ومن دون أية استثناءات. إلّا أن المشترع يتدخّل بصورة استثنائية لمعالجة خلل ما حصل في سير العدالة أو لطيّ صفحة تاريخية معينة والمساهمة في المصالحة الوطنية…
الصيغة المطروحة اليوم ليست قانون عفو عام بالمعنى الحقيقي، إنما مزيج بين عفو عن بعض الجرائم، ولا سيما المتعلقة بالمخدرات، وبين تعديلات على قانون العقوبات لتخفيض مُدَد العقوبات المترتبة على بعض الأفعال الجرمية، وتعديلات على بعض أحكام قانون الأصول الجزائية لتسهيل تطبيق أحكامه المتعلقة بإخلاء السبيل الحكمي، بالإضافة إلى تعديل على القانون رقم 194/2011 المتعلق بـ”معالجة أوضاع المواطنين اللبنانيين الذين لجؤوا الى إسرائيل”، لجعله قابلًا للتنفيذ دون حاجة لمراسيم تطبيقية.
في هذه الخلطة التشريعية الهجينة تبدو مسألة المعالجة التشريعية للخلل المتراكم في سير العدالة هي الأكثر إلحاحًا والأكثر وضوحًا من حيث توفّر أسبابها الموجبة وأهمها وجود عدد من الموقوفين الذين تجاوزت مدة توقيفهم عشر سنوات من دون محاكمة وهذا بحد ذاته ظلم هائل لا يمكن تصوّره أو تبريره أو الاستمرار فيه أو التغاضي عنه، وإذا لم يُقدم قضاة التحقيق المتولون ملفاتهم على إخلاء سبيلهم فورًا يكون التدخّل التشريعي لإنهاء هذه الحالة أكثر من واجب.
إلى جانب هذه المسألة تبرز مسألة التحقيقات والمحاكمات المتعلقة بأحداث عبرا، حيث يتكوّن حول هذه المسألة موقفان متناقضان الأول ينطلق من الرواية الرسمية للأحداث التي أدت إلى توقيفات ومحاكمات وُضعت في إطار الاعتداء على الجيش واعتبار أية محاولة للتشكيك في تلك الرواية من قبيل التموضع في خانة الاعتداء عليه أيضًا، وذلك على رغم الكمّ الكبير من المعطيات التي تم إخراجها للعلن من قبل ناشطين وحقوقيين تُبيّن عدم خلوّ الرواية الرسمية من الشوائب، وقد لفت في هذا الإطار ما طرحه أحدهم مطالبًا إمّا بإقرار صيغة القانون المقترحة التي تؤدّي إلى خروج المعنيين من السجن أو إعادة محاكمتهم بصورة علنية أمام الإعلام، وفي ذلك طبعًا جرأة وثقة واضحة بأن الوقائع تميل إلى غير الوجهة التي سادت في الرواية الرسمية.
أما بالنسبة للقانون رقم 194/2011 فهو لم يتضمن أصلًا معالجة حقيقية لفئة المواطنين اللبنانيين الذين فرّوا إلى “الأراضي المحتلّة” بل اقتصر على القول بمحاكمة المنتمين منهم إلى جيش لبنان الجنوبي “محاكمة عادلة” فور تسليم أنفسهم إلى الجيش، والسماح للذين لم ينضووا عسكرياً وأمنياً، (بمن فيهم عائلات أولئك) بالعودة الى لبنان، ضمن آليات تطبيقية تحدد بمراسيم لم تصدر حتى اليوم.
والمقترح الحالي لا يتضمن عفوًا عن العناصر ويقتصر على تطبيق النص المذكور دون انتظار المراسيم التطبيقية، وهذا يعني بأنه لا يقدّم أي جديد وأن الغموض في كيفية تطبيق النص الموجود سيبقى قائمًا.
السبب الحقيقي للتخبّط التشريعي والسياسي حول اقتراح القانون هو أن الظروف لم تنضج بما يكفي لتغيير الذهنيات القائمة، ولم تكتمل بالتالي ظروف إقرار قانون يطوي مرحلة معيّنة ويفتح أفقًا وطنيًا جديدًا. ولهذا قد يكون عدم إقرار قانون مماثل اليوم أفضل من صدور قانون سيء لا يحلّ الإشكالات الحقيقية التي دفعت إلى تقديمه، ويسمح فقط بتبييض صفحة آلاف الملاحقين بجرائم المخدرات.
عن “النهار”
