الرفاعي: التفاهم بين الرئاسات الثلاث ضرورة وطنية لحماية ما تبقى من مؤسسات الدولة ومصالح الناس

أشار مفتي محافظة بعلبك الهرمل الشيخ الدكتور بكر الرفاعي في خطبة الجمعة إلى أنه “في العشر الأوائل من ذي الحجة تتكثّف معاني الزمن الإيماني، وكأنّ الأيام تُمنح فيها فرصة إضافية للروح كي تستعيد صفاءها وسط ضجيج العالم. هي أيام لا تُقاس بعدد الساعات، بل بما تفتحه في النفوس من أبواب التوبة والعمل والرجوع إلى الله… تتقاطع فيها العبادة مع بناء الإنسان، ويصبح السعي إلى الخير موقفاً أخلاقياً وحضارياً قبل أن يكون مجرد طقس تعبدي. وما أحوج الأمة اليوم إلى هذا المعنى؛ أن تتحول العبادة إلى قوة إصلاح، وأن يتحول الإيمان إلى وعي ومسؤولية ومناعة في وجه الانهيار والتيه”.

وتابع: “في هذه الأيام المباركة يطلّ علينا ميقات موسى عليه السلام مع ربّه بوصفه درساً عميقاً في معنى الاصطفاء والصبر والتزكية. أربعون ليلة من الانقطاع عن ضجيج الناس لصناعة القائد الذي يحمل الرسالة ويواجه الطغيان. كأنّ القرآن يذكّرنا أن التغيير الحقيقي لا يبدأ من الصخب، بل من بناء الداخل، وأن الأمم التي تريد الخلاص لا بد أن تمتلك رجالاً يربطون بين صفاء الروح وصلابة الموقف”.

وقال: “لقد جاءت الأشهر الحرم في أصل معناها إعلاناً إلهياً عن قدسية الدم وحرمة العدوان، وكأنّ السماء أرادت أن تفرض على البشر هدنة أخلاقية يتوقف فيها منطق الغلبة والثأر، لتُمنح المجتمعات فرصة مراجعة نفسها بعيداً عن دوامة الانتقام. فهي ليست مجرد تقسيم زمني في التقويم الإسلامي، بل فلسفة سلام تُذكّر الإنسان أن الأصل في العلاقات هو الأمن لا الفوضى، والاستقرار لا الاستنزاف”.

وأضاف: “من المؤلم أن العالم المعاصر، رغم كل ما يرفعه من شعارات القانون وحقوق الإنسان، لا يزال عاجزاً عن فرض أبسط معاني هذه “الحرمة” على القوى المتوحشة. فحين يصبح القتل الجماعي مشهداً يومياً، وتُستباح المدن والأطفال بلا مساءلة، ندرك أن البشرية تحتاج إلى استعادة قيمة الردع الأخلاقي قبل الردع السياسي، وأن السلام لا يمكن أن يبنى على ازدواجية المعايير ولا على انتقائية العدالة”.

وأكد أنّ “حاجة البلاد اليوم إلى تفاهم حقيقي بين الرئاسات الثلاث لم تعد ترفاً سياسياً، بل ضرورة وطنية لحماية ما تبقى من مؤسسات الدولة ومصالح الناس. فالأوطان المنهكة لا تحتمل صراعات الكباش ولا إدارة الأزمات بعقلية تسجيل النقاط، بل تحتاج إلى خطاب مسؤول يغلّب المشتركات على الحسابات الضيقة”.

وأردف: “أما المفاوضات الجارية، فإن الحد الأدنى الذي ينبغي أن تُفضي إليه هو وقف كامل لإطلاق النار وانسحاب تام من الجنوب، بما يحفظ السيادة ويوقف نزيف الدم والمعاناة. ومع تفهّم ضرورات السياسة وتعقيدات المرحلة، تبقى الحساسية قائمة تجاه شكل هذه المفاوضات، والتمنّي الصادق ألّا تنزلق إلى مسارات مباشرة تُستخدم لتكريس وقائع سياسية تتجاوز إرادة الشعوب وثوابتها”.

ورأى أن “في الضفة وغزة يتواصل المشهد الأكثر قسوة في هذا العصر؛ شعب يُعاقَب على وجوده، واحتلال يمارس توحشه اليومي أمام عالم يكتفي بالمشاهدة والبيانات الباردة. بيوت تُهدم، وأطفال يُقتلون، وحصار يُطبق على الناس حتى في لقمة العيش والدواء، فيما يمتد منطق العدوان إلى أكثر من ساحة في المنطقة دون رقيب أو حسيب”، مشيرا إلى أن “ما يجري لم يعد مجرد أزمة سياسية، بل سقوط أخلاقي عالمي يكشف عجز المنظومة الدولية عن حماية أبسط حقوق الإنسان حين يكون الضحية فلسطينياً أو عربياً”.

وختم الرفاعي: “يبقى ملف الموقوفين الإسلاميين جرحاً مفتوحاً يحتاج إلى مقاربة عادلة ومسؤولة، بعيداً عن التسييس وروح الانتقام. فالعدالة الحقيقية لا تُبنى على التعميم ولا على إبقاء الناس وأسرهم أسرى المماطلة والملفات العالقة لسنوات طويلة. ومن حق المجتمع أن يحفظ أمنه، كما من حق الموقوفين أن ينالوا محاكمات عادلة وسريعة تحفظ الكرامة الإنسانية وتمنع تحوّل المعاناة إلى شعور دائم بالظلم والإقصاء، لأن الدول القوية تُقاس بعدالتها لا بقسوتها”.

Exit mobile version