بين طريق الموت وطريق السلام لا تقف الشعوب عادةً أمام خيارٍ نظري بل أمام امتحان وجود…

بقلم// العميد الركن المتقاعد د. جوزف س. عبيد 

فالحديث هنا لا يعني بالضرورة “سلامًا” بالمعنى السياسي الكامل مع إسرائيل، بل قد يبدأ من نقطة أكثر واقعية: وقف الأعمال الحربية، وقف النزف، وقف تحويل الأرض إلى ساحة مفتوحة للنار والدمار.
السؤال الحقيقي ليس: من يملك الشجاعة للحرب؟
بل: من يملك الشجاعة لإنهاء الحرب عندما تتحول إلى طاحونة تستنزف الجميع؟
هناك من يرى أن الطريق الوحيد هو الاستمرار حتى “النصر الكامل”، دحر العدو وفرض الشروط بالقوة. وهذا منطقٌ عرفه التاريخ مرارًا، إذ لا يمكن لأي شعب أن يقبل بالاستسلام أو التخلي عن حقه أو كرامته. لكن الحروب الطويلة تطرح دائمًا سؤالًا أكثر قسوة: ماذا لو تحوّل الانتصار المؤجل إلى استنزاف دائم؟ ماذا لو أصبح الثمن أكبر من قدرة الأوطان على الاحتمال؟
في الستاتيكو الحالي، لا أحد ينتصر فعليًا.
النار تشتعل ثم تهدأ لتعود وتشتعل.
القرى تُفرَّغ، الاقتصاد ينهار، الشباب يهاجر، والأرض التي يُفترض الدفاع عنها تتحول تدريجيًا إلى مساحة خالية من أهلها. ومع مرور الوقت، يصبح الخطر الحقيقي ليس فقط خسارة معركة، بل خسارة مجتمع كامل يُستهلك ببطء.
الحرب حين تصبح بلا أفق سياسي تتحول إلى نزيف مفتوح.
والنزيف الطويل لا يُقاس فقط بعدد القتلى، بل بعدد الذين يفقدون إيمانهم بالحياة، وبقدرة أوطانهم على حمايتهم، وبجدوى البقاء فيها أصلًا.
من هنا يظهر السؤال المصيري:
إلى أين يقود الاستمرار؟
هل إلى تحريرٍ فعلي ونتيجة واضحة؟ أم إلى المزيد من القتل والدمار وخسارة الأرض والناس؟ لأن الأرض لا يحميها السلاح وحده، بل يحميها أيضًا أهلها حين يبقون فيها، يزرعونها، يبنونها، ويرفضون مغادرتها.
في المقابل، التفاوض ليس دائمًا استسلامًا كما يصوّره البعض. أحيانًا يكون محاولة لانتزاع ما يمكن انتزاعه، أو لوقف انهيارٍ أكبر، أو لشراء الوقت من أجل حماية ما تبقى. ليس كل تفاوض خيانة، كما أن ليس كل حرب بطولة ناجحة. المسألة تُقاس بالنتائج لا بالشعارات.
التاريخ مليء بحروب انتهت على طاولات التفاوض بعدما أدرك الجميع أن استمرار النار لن يغيّر الموازين بل سيزيد المقابر. ومليء أيضًا بشعوب دفعت أثمانًا هائلة لأنها لم تعرف متى تنتقل من منطق المعركة إلى منطق الحل.
أما الأخطر، فهو البقاء في المنطقة الرمادية:
لا حرب تحسم، ولا سلام يوقف النزيف.
مجرد انتظار دائم لانفجار جديد، وجيل كامل يعيش تحت سقف الخوف والهجرة والانهيار.
لهذا، فإن السؤال اليوم ليس فقط: هل نريد الحرب أم التفاوض؟
بل: أي طريق يحفظ الإنسان والأرض والمستقبل؟
لأن الأوطان لا تُقاس فقط بقدرتها على القتال، بل أيضًا بقدرتها على البقاء.

Exit mobile version