“النازحون.. قضية وطنية”

صدر العدد الجديد 152 شهر ايار 2026 من مجلة “الأمن العام” وتصدرته الافتتاحية التي كتبها المدير العام للأمن العام اللواء حسن شقير تحت عنوان: “النازحون.. قضية وطنية”:

في اللحظات المفصليّة من تاريخ الأوطان، لا تُقاس قوة الدول بعديدها وعدتها فحسب، بل بقدرتها على حماية إنسانها، وصون كرامته، واعادة بناء ما تهدم من حياة قبل الحجر، وعلى تحويل الألم الى وعي جامع، والمأساة الى فرصة لإعادة التأسيس. وما نشهده اليوم من تداعيات الحرب الاسرائيلية العدوانية، وما خلفته من موجات نزوح قاسية ودمار واسع يضعنا جميعا، دولة ومؤسسات ومجتمعا امام مسؤولية وطنية شاملة لا تحتمل التأجيل أو التردد، مسؤولية تتجاوز الحسابات الضيقة إلى جوهر الانتماء، وتعلو فوق الانقسامات لتعيد تعريف معنى ان نكون وطنا واحدا في وجه المخاطر.

لقد استشهد آلاف من ابنائنا، وهؤلاء وجوه حيّة في ذاكرة الوطن، وذكريات محفورة في وجدان عائلات لن تلتئم جراحها بسهولة، ومع كل الآلام والجراح تتقدم قضية النازحين الى سلّم الأولويات باعتبارها اختبارا حقيقيا لوحدتنا الوطنية ومدى قدرتنا على ترجمة القيم التي نتغنى بها إلى أفعال ملموسة، ومسؤوليتنا الاساسية اليوم الوقوف الى جانب أهلنا ومساعدتهم والتخفيف عنهم، هؤلاء الذين اضطروا تحت وطأة العدوان الوحشي الى مغادرة أرضهم بعد أن دمرت بيوتهم وجرفت قراهم في واحدة من افظع عمليات الابادة للحجر والبشر، وهنا تتجلى الحاجة الى جهد وطني منظم تتكامل فيه أدوار الدولة مع مبادرات المجتمع المدني والقطاع الخاص.

إن مقاربة قضية النازحين يجب أن تواكبها رؤية شاملة ومستدامة، وأن لا تقتصر فقط على الاستجابة الآنية أو المعالجات الظرفية، وأن تضع المواطن الذي ترك أرضه ومنزله في صلب الأولويات، وأن تتعامل مع “النزوح” بوصفه تحديا بنيويا واجتماعيا يتطلب خططا واضحة لا حلولا مؤقتة. ثم أن إعادة الاعمار لا تعني فقط إعادة بناء المنازل المهدمة وترميم البنى التحتية، بل إعادة الروح الى النسيج الاجتماعي الذي تصدع، وإعادة الأمل الى نفوس أنهكها الخوف والاقتلاع.

على قساوة المشهد ومرارته، يمكن أن يكون بداية جديدة إذا أحسنا قراءته والتعامل معه بعقل واعٍ بارد وإرادة صلبة. فبين الركام تنبت فرص إعادة البناء، وبين الآلام تتجدد معاني التضامن، وبين التحديات يولد الأمل الذي لا يموت، وأن خيار الحياة بكل ما يتطلبه من شجاعة ومسؤولية وعمل دؤوب، هو الخيار الذي ننحاز إليه من دون تردد، لأنه الخيار الوحيد القادر على إنقاذ الوطن وصون كرامة أبنائه. كما أن ضمان العودة الكريمة لأبناء لبنان الى مناطقهم، يقتضي تضافر الجهود لتأمين الخدمات الأساسية، من تعليم وصحة ونقل وفرص عمل، بما يعيد دورة الحياة الطبيعية الى تلك المناطق. وهنا تبرز أهمية الشفافية في ادارة الموارد، وحسن توجيه المساعدات، بما يعزز ثقة المواطن بالدولة ويكرس شراكة حقيقية بين مختلف القوى الحيّة في المجتمع، لأن بناء الانسان هو المدخل الحقيقي لبناء الوطن.

قد يطول الطريق وتكثر التحديات، فالمحن الكبرى على قسوتها تحمل في طياتها امكان إعادة اكتشاف الذات الجماعية، وإعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع على قاعدة التضامن الفعلي لا الخطاب النظري، وهنا تبرز حكمة المثل المأثور: “ما حك جلدك متل ضفرك”، ليس بوصفه دعوة إلى الانكفاء، بل كدعوة إلى الاعتماد على الذات وتعزيز المبادرة الداخلية بحيث يكون الخارج عامل دعم لا بديلا من الارادة الوطنية. الأهم ان يبقى وطننا بيتا جامعا لكل أبنائه، يقوم على العدالة والكرامة والأمان، ويمنحهم ما يستحقونه من استقرار وازدهار.

المدير العام للأمن العام اللواء حسن شقير

Exit mobile version