بقلم// خضر رسلان
العدوان على الضاحية الجنوبية لم يعد مجرد حدث أمني عابر أو رسالة ضغط مرتبطة بظرف سياسي أو ميداني، بل تحوّل إلى خرق واضح لأي تفاهم أو وقف لإطلاق النار، وإلى استباحة متكررة للسيادة اللبنانية أمام أعين العالم. فاستهداف المناطق المدنية بهذا الشكل يكشف أن العدو لا يحتاج إلى ذرائع حقيقية، بل يستغل كل هدنة لإعادة ترتيب أوراقه، وجمع المعلومات، ومحاولة فرض معادلات جديدة بالنار والتهويل والضغط النفسي والإعلامي.
الأخطر أن هذا التمادي يتغذّى على الصمت الدولي، وعلى التعامل الرسمي البارد مع الاعتداءات المتكررة، وكأن السيادة اللبنانية باتت تُستباح بالتقسيط، وكأن أمن المدنيين وترويعهم تحوّل إلى تفصيل يمكن احتواؤه ببيانات الإدانة أو المواقف الخجولة. فالدولة التي لا تُظهر موقفًا حازمًا في الدفاع عن أرضها وهيبتها، تترك الباب مفتوحًا أمام العدو لرفع سقف اعتداءاته واختبار حدود الرد وحدود الصمت معًا.
ما يجري في الضاحية يتجاوز البعد الأمني المباشر، لأنه يحمل رسالة سياسية واضحة هدفها ضرب صورة الردع، وإظهار لبنان وكأنه عاجز عن حماية مناطقه وشعبه. فالعدو يدرك أن الحرب ليست فقط بالصواريخ والطائرات، بل أيضًا بمحاولة كسر المعنويات، وإشاعة شعور دائم بأن لا خطوط حمراء تمنعه من الاستهداف متى شاء.
لكن التجارب أثبتت أن الاغتيالات والغارات والاستعراض العسكري لا تنهي فكرة ولا تُسقط إرادة، بل غالبًا ما تعكس أزمة لدى العدو ومحاولة لتعويض فشل ميداني أو سياسي بصورة نارية وإعلامية. لذلك فإن التصعيد المتكرر لا يمكن فصله عن محاولة فرض وقائع جديدة تحت عنوان الضغط والردع، في وقت يسعى فيه الاحتلال إلى تسويق صورة انتصار يفتقدها على أرض الواقع.
وما يؤكد خطورة المرحلة أن أي اتفاق لا يردع العدوان ولا يحمي المدنيين يبقى اتفاقًا ناقصًا وهشًا، لأن الرهان على الوعود وحدها لا يكفي أمام عدو لا يلتزم إلا بمنطق القوة. فالتاريخ أثبت أن الاحتلال يختبر دائمًا نقاط الضعف، ويحاول استغلال أي تردد أو انقسام لفرض شروطه بالقوة.
إن استهداف الضاحية ليس استهدافًا لمنطقة بعينها فقط، بل رسالة تمسّ كل لبنان، لأن السيادة لا تتجزأ، ولأن تحويل أي جزء من الوطن إلى ساحة مستباحة يعني أن الدولة كلها أصبحت تحت الاختبار. وبين العدوان المتكرر والصمت الدولي والعجز الرسمي، يبقى السؤال الكبير: إلى متى يستمر الاستخفاف العلني بسيادة الدولة اللبنانية، فيما يدفع المدنيون الثمن الأكبر؟
