كتب// منصور شعبان
عندما برز نجم رجل الأعمال فؤاد مخزومي على الساحة اللبنانية تأكد للعارفين في بواطن الأمور أن شيئاً ما “متحوّرٌ” من الممكن ان يُحدِث خرقاً في الجسم السياسي “المُصاب” بمرض “الحروب” التي سبقت ظهوره، في مرحلة انتقالية، شكلت تحدياً لجميع “الأمراء الألدّاء” الذين تقاتلوا وتصالحوا ثم تصادقوا وتشاركوا السلطة.
الرجل تمكن من ان يوجِدَ لنفسه مكانة غير ذي “عِوَجٍ” عماداً سياسياً مبنياً أساسه قاعدة شعبية تنسجم معه وينسجم معها كلما طال مطال الأزمات وعلاقات عربية ودولية حدِّث ولا حرج.
وليس ذلك بالأمر الغريب عن رئيس “حزب الحوار”، نائب بيروت، المهندس فؤاد مخزومي الذي يوظّف علاقاته الدولية في سبيل إرساء الاستقرار في لبنان، ولعل صداقته ورئيس الوزراء الإيطالي الأسبق رومانو برودي تركت بصماتها الواضحة في تعزيز الرؤية السليمة لدى مختلف المسؤولين الأوروبيين، وهذا ما لمسه خلال لقاءاته معهم لبحث أوضاع لبنان ومنطقة البحر المتوسط.
وفي الحالة السياسية اللبنانية لا يمكن للمرء إلا ان يمارس حق الاختلاف في الرأي إذا رأى في ذلك سبيلاً يخدم اتخاذ الموقف الصح في اي قضية مهما كانت، ضمن سياق المحافظة على ثبات الخط البياني العام لاستقرار البلد؛ فالثابت ان مخزومي يهندس خطواته ضمن سياسة الـ”خطوة خطوة” التي يترجمها في تصريحاته واجتماعاته لملاحقة كل قضية مستجدة وآخرها كان لقاء النواب “السّنّة” الذي أعاد مخزومي إلى الأذهان، عن قصد أو عن غير قصد، اجتماعات “اللقاء الاسلامي” التي كانت تتم برئاسة مفتي الجمهورية الشيخ الشهيد حسن خالد (رحمه الله) في دار الفتوى لتدارس آخر التطورات.
وإن دلّ تحرك مخزومي، بعقد “لقاء النواب السّنّة”، على شيء فهو:
أولاً: كسر في مبادرته الفراغ السياسي داخل المكوّن السنّي في لحظة تراجع فيها الحضور السياسي المنظّم للنواب السنّة، خصوصاً بعد انكفاء أطر تقليدية.
– الاجتماع أعاد إحياء دينامية التشاور والتنسيق بدلاً من حالة التشتت والانتظار.
– ما تحقق ليس مجرد لقاء، بل إعادة إنتاج دور سياسي جَماعيٍّ لهذا المكوّن في المعادلة الوطنية.
ثانياً: جمع النواب في لحظة مفصلية
– توقيت الاجتماع يحمل دلالة أساسية، إذ تزامن مع مرحلة حساسة يمر بها لبنان سياسياً وأمنياً.
– أثبت مخزومي ان نجاحه هنا لا يُقاس فقط بعدد الحضور، بل بمقدرته على إطلاق مسار جامع يشمل حتى من لم يحضروا جسديا.
– التأييد الذي أبداه نواب من خارج الاجتماع يؤكد أن المبادرة تجاوزت الجغرافيا والظروف اللوجستية.
ثالثاً: من لقاء عابر إلى منصة سياسية مستدامة
– الاجتماع وضع أسساً لتحوّله إلى منصة تنسيقية دائمة بين النواب السنّة.
– الانتقال من ردود الفعل إلى الفعل السياسي المنظّم يعكس تحولاً نوعياً في الأداء.
– إمكان البناء على هذا اللقاء لتطوير مواقف موحّدة في الملفات الكبرى.
رابعاً: إعادة تثبيت الدور الوطني للمكوّن السنّي
– الاجتماع لم يُطرح كإطار طائفي ضيّق، بل كـ”رافعة وطنية” توازن المشهد السياسي، وقد تم التأكيد على دور “اتفاق الطائف” كمرجعية، دور الدولة ومؤسساتها، ورفض منطق السلاح خارج الشرعية.
– هذا الطرح يعيد التموضع السّنّي ضمن مشروع الدولة لا الاصطفافات.
خامساً: مخزومي كمحرّك للمبادرات
– تكرار المبادرات يضعه في موقع صاحب الدور المبادر لا المتلقي.
– تبرز مقدرته على الجمع بين العمل النيابي والتواصل العربي والدولي، وبالتالي تعزز موقعه كنقطة تقاطع سياسية.
– اللقاء يعكس انتقاله من لاعب فردي إلى منسّق لإطار أوسع حيث يتبيّن أن الاجتماع لم يكن معزولاً بل مثّل بداية اصطفاف سياسي مرن.
سادسًا: حماية الاستقرار الداخلي
– توحيد الموقف السّنّي يساهم في الحد من التوترات الطائفية.
– منع استفراد أي جهة بالقرار الوطني.
– الاجتماع شكّل رسالة واضحة أن الاعتدال السياسي ما زال قائماً وقادراً على التنظيم.
سابعاً: دعم الدولة وخياراتها الاستراتيجية
– دعم مسار التفاوض والمؤسسات الرسمية يعكس تبنّي خيار الدولة كمرجعية وحيدة ورفض الانجرار إلى مواجهات غير محسوبة.
– هذا الموقف يقدّم النواب السّنّة كـ”صمام أمان” في الأزمات.
في الخلاصة: ما قام به مخزومي يتجاوز إطار لقاء سياسي عابر، ليشكّل محاولة جدية لإعادة تنظيم التوازن الداخلي وبناء مرجعية تشاورية سنّية حديثة.
