بين فوهة البندقية وطاولة التفاوض: أيهما ينقذ لبنان؟

بقلم// العميد الركن المتقاعد د. جوزف س. عبيد

تتداول بعض الأوساط السياسية والإعلامية معلومات عن مبادرة دولية يُقال إنها تُطرح للبنان، تتضمن في حال صحت :
— مسارًا تفاوضيًا مباشرًا برعاية أميركية، مع حزمة من الضمانات المرتبطة بالسيادة والأمن والاستقرار.
بحسب هذه المعطيات غير المؤكدة، فإن الطرح يشمل بنودًا أساسية، منها:
– ضمانات تتعلق بالسيادة الكاملة للدولة اللبنانية.
– ترتيبات خاصة بالسلامة الإقليمية.
– تأمين وضبط الحدود.
– دعم إنساني مباشر.
– إطلاق ورشة إعادة إعمار
والأهم، استعادة الدولة اللبنانية سلطتها على كامل أراضيها بضمانات دولية.
قد تكون هذه البنود مجرد تسريبات، وقد تكون جزءًا من مسار يُحضَّر في الكواليس. لكن، حتى كفرضية، فإنها تطرح سؤالًا جوهريًا:
إذا كان هذا ممكنًا عبر التفاوض، فماذا أعطتنا الحرب بالمقابل؟
لقد جرّب لبنان الحرب، لا مرة واحدة بل مرات. ومنذ نهاية الحرب الأهلية وما تلاها من اتفاق الطائف، كان واضحًا أن السلاح وحده لا يبني دولة، ولا يحفظ سيادة، ولا يؤسس استقرارًا دائمًا.
السلاح قد يفرض لحظة، لكنه لا يصنع مستقبلًا.
نحن اليوم أمام مفارقة قاسية:
نرفع شعار التحرير، لكن الأرض لا تتحرر بالكامل.
نرفع شعار الحماية، لكن الناس تنزح.
نرفع شعار الكرامة، لكن الاقتصاد ينهار.
فماذا أعطتنا الحرب؟
دمارًا في البنى التحتية،
نزيفًا بشريًا لا يُعوّض،
اقتصادًا يترنح،
وخوفًا دائمًا من الجولة القادمة.
في المقابل، إذا صحّ أن هذه المبادرة قابلة للتحقق، ولو جزئيًا، فإنها تَعِد نظريًا بما عجزت عنه المواجهات:
تثبيت السيادة لا شعارها
ضبط الحدود لا تركها ساحة مفتوحة
إعادة إعمار بدل إعادة الدمار
دولة حاضرة بدل سلطات متنازعة
هنا، لا يعود النقاش بين “مقاومة” و”تسوية”، بل بين نتائج ملموسة وواقع مستنزف.
إذا لم نستطع تحرير الأرض بالكامل بالقوة كما يُقال،
فهل يصبح البحث عن حل سياسي خيانة؟
أم أن الاستمرار في خيار أثبت كلفته العالية هو المجازفة الحقيقية؟
إن رفض أي مسار تفاوضي حتى قبل التحقق منه يطرح تساؤلًا مشروعًا:
هل الهدف هو الوصول إلى حل، أم البقاء في حالة صراع دائم؟
لذلك، إن صحّت هذه المعلومات، فإن إعطاء فرصة لهذا المسار ليس تنازلًا، بل اختبارًا جديًا لما يمكن أن يحققه لبنان خارج منطق الحرب.
لقد جرّبنا الحرب بما يكفي لنعرف كلفتها.
فلنعطِ السياسة فرصة… ربما تكون هذه المرة أقل كلفة، وأكثر وطنية.

Exit mobile version