افتتحت جامعة الروح القدس – الكسليك، برعاية اللبنانية الأولى السيدة نعمت عون وحضورها، منتدى التعليم العام (GE Forum) بعنوان: “And Still We Rise: Students in Service, Education in Action”، بالتعاون مع “مدرسة المواطنية”، في حرم الجامعة في الكسليك.
حضر المنتدى الذي نظمه مكتب التعليم العام في الجامعة، عدد من الشخصيات الرسمية والأكاديمية والاجتماعية، بمشاركة منظمات غير حكومية ومؤسسات مدنية عدة، فضلا عن مشاركة طالبية واسعة، ما وضع الطلاب في صلب العمل التطوعي والتنمية المجتمعية.
وهذه الزيارة تعد الأولى للبنانية الأولى إلى جامعة بهدف رعاية حدث من هذا النوع، وهو ما يندرج ضمن رؤية تتقاطع مع مبادرتها “مدرسة المواطنية”. وتعكس هذه الرعاية رؤية مشتركة تضع المواطنية الفاعلة في قلب العملية التربوية، وتؤكد أهمية إعداد أجيال واعية ومسؤولة.
وانطلاقا من هذا التوجه، تطلق جامعة الروح القدس – الكسليك مبادرة واسعة النطاق تتمثل في برنامج “مئة ساعة خدمة مجتمعية”، الهادف إلى ترسيخ روح المسؤولية الاجتماعية وتعزيز الانخراط الفاعل في خدمة المجتمع.
اللبنانية الأولى
وفي افتتاح المنتدى، ألقت اللبنانية الأولى كلمة استهلتها بالقول: “أنتم اليوم استيقظتم صباحا، وأتيتم إلى الجامعة، ونلتقي هنا، وكأن كل شيء طبيعي. لكن لا شيء طبيعيا. نحن نعيش حربا، حربا ليست حدثا عابرا، بل واقعا يفرض نفسه على تفاصيل حياتنا اليومية. والأصعب من الحرب نفسها ليس الخطر فحسب، بل هذا التعب العميق الذي نعيشه بصمت: تعب الخوف، تعب القلق، وتعب العيش من دون أفق واضح”.
أضافت: “لا يمكننا أن نتحدث معا اليوم من دون أن نواجه الحقيقة كما هي: هذه الحرب لا تختصر بجبهة، بل تمتد إلى بيوت جميع اللبنانيين، إلى يومياتهم، وإلى شعورهم الدائم بعدم الأمان. قد لا تكون الحرب في مكان واحد، لكن وجعها واحد. وفي قلب هذا المشهد، هناك من يدفع الثمن الأكبر: في أماكن لم تعد فيها الحياة كما كانت، حيث لم يعد الدمار احتمالا، بل واقعا. جنوبنا… جنوبنا الغالي”.
وتابعت: “نحن نعلم أن لبنان اليوم ليس بخير، ونحن لسنا بخير. ومع ذلك، ثمة صورة أخرى لا يمكن تجاهلها: لبنانيون يقفون إلى جانب بعضهم البعض، يفتحون بيوتهم، ويستقبلون بعضهم، رافضين أن يتركوا أي شخص وحيدا. هذا ليس تفصيلا، هذا ما يبقي لبنان صامدا حين يهتز كل شيء من حوله. إلى أهلنا في الجنوب، وإلى كل من يعيش هذه اللحظات الصعبة في أي منطقة: أنتم لستم وحدكم. هذا الألم ليس بعيدا عنا، وهذا الخوف نعرفه”.
وقالت: “لنكن صريحين: المشكلة اليوم ليست فقط حربا، ولا أزمة اقتصادية فحسب، بل هي أعمق من ذلك: الثقة مفقودة. مفقودة في الدولة، ومفقودة في المستقبل، ومفقودة في فكرة أن هناك وطنا واحدا يجمعنا. نعم، نحن مختلفون، لدينا قناعات متباينة، ورؤى متناقضة أحيانا لهذا البلد، وهذا واقع لا يمكن تجاهله. لكن في المقابل، لا يمكن لأي بلد أن يستمر من دون حد أدنى من الاتفاق: دولة واحدة، قرار واحد، ومرجعية واحدة”.
اضافت: “إننا هنا نتحدث عن المواطنية، ولكن بطريقة مختلفة: المواطنية ليست فكرة نناقشها، ولا درسا نحفظه، المواطنية قرار. قرار ألا نكون متفرجين، قرار ألا نعيش على الهامش، قرار أن نكون جزءا من هذا البلد فعلا. أن تكون مواطنا، يعني أن تسأل: ما دوري؟ ما مسؤوليتي؟ ليس غدا… بل اليوم، في جامعتكم، في مدرستكم، في مجتمعكم، وفي كل تفصيل من حياتكم. المواطنية لا تبدأ من الدولة فقط، بل تبدأ منا: من التزامنا، من احترامنا للآخر، من رفضنا للفوضى، ومن قدرتنا على الاختلاف من دون أن نكسر بعضنا. وفي زمن الحرب، لم يعد هذا خيارا، بل أصبح مسؤولية، لأن الدول في الأزمات إما أن تقويها شعوبها، وإما أن تتركها تنهار. ولهذا السبب، نحن اليوم لا نتحدث عن فكرة، بل عن مسار يبدأ من هنا: من الجامعات، من المدارس، ومنكم أنتم. هدفنا واضح: أن نبني جيلا جديدا من المواطنين، ليس فقط ناجحين، بل مسؤولين، ليس فقط متعلمين، بل فاعلين. جيل يشارك، يبادر، ويبني”.
وتابعت: “هذا ليس مشروعا عابرا، بل دعوة. دعوة لكم لكي تكونوا جزءا من هذا التغيير. الدولة ليست خيارا، بل ضرورة. وقد لا تكون هناك ثقة، لكن هناك مسؤولية في أن نعطي فرصة، ليس ثقة عمياء، بل قرارا واعيا لوقف الانهيار والبدء بإعادة البناء”.
وتابعت: “أعلم أن كثيرين منكم يرغبون في الرحيل، وأتفهم ذلك. حين يغيب الأمان، ويغيب الأفق، يصبح التفكير في الرحيل أمرا طبيعيا. لكن الخطر الحقيقي ليس في مغادرة المكان، بل في فقدان الانتماء. لأن أخطر ما يمكن أن نخسره ليس من يغادر، بل من يتخلى عن إيمانه بهذا البلد”.
وختمت: “كل واحد منا لديه مسؤولية: أن يلتزم بالقانون، أن يرفض تبرير الخطأ، ألا يكون جزءا من الفوضى، أن يحترم الآخرين، وأن يربي جيلا يؤمن بوطنه. إذا أردنا دولة قوية، علينا أن نكون مجتمعا مسؤولا ومتماسكا. لبنان صمد كثيرا، لكن الصمود وحده لا يكفي. لا يكفي أن نتحمل، بل علينا أن نبني وطنا معا، تحت سقف الدولة، وتحت علم واحد، علم لبنان”.
مكرزل
وكان رئيس الجامعة الأب البروفسور جوزف مكرزل ألقى كلمة رحب فيها بالسيدة الأولى، مشيدا بمسيرتها خلال سنة حيث بدت “البوصلة واضحة في مقاربتها لملفات المرأة والمجتمع”.
ولفت إلى أبرز المبادرات التي قادتها السيدة الأولى ك”إطلاق مبادرة مدرسة المواطنية، رئاستها لهيئة شؤون المرأة، الدفع نحو إقرار قانون الكوتا النسائية، ومواجهة العنف الرقمي ضد النساء، فضلا عن دفاعها عن حقوق المرأة في المحافل الدولية، ولا سيما في الأمم المتحدة”.
وأكد “أن هذه الجهود تصب في هدف أساسي يتمثل في بناء الإنسان كمدخل لبناء الوطن”، مشددا على أن “المواطنية تنطلق من البيت والمدرسة، وأن المرأة، بصفتها أما وزوجة، تشكل الركيزة الأولى في هذا البناء”.
مطر
من جهتها، أشارت نائبة الرئيس للشؤون الأكاديمية ريما مطر إلى أن “التعليم يلعب دورا محوريا في تشكيل الشخصية وتعزيز القيم، وليس فقط في نقل المعرفة”، لافتة إلى أن “جامعة الروح القدس – الكسليك تأسست لخدمة المجتمع وترسيخ القيم المتجذرة فيه، انطلاقا من رسالة الرهبانية اللبنانية المارونية”.
وأكدت أن “التعليم العام في الجامعة يشكل حجر الأساس في إعداد الطلاب، إذ يركز على تنمية التفكير النقدي، والمسؤولية، والأخلاق، بهدف إعداد مواطنين فاعلين إلى جانب مهنيين”.
الحاج
وأعلنت مديرة مكتب التعليم العام في الجامعة سمر الحاج عن “إطلاق برنامج “100 ساعة خدمة مجتمعية” ابتداء من خريف العام الأكاديمي 2026-2027، في خطوة تهدف إلى إدماج العمل التطوعي ضمن المسار الجامعي، وتعزيز ارتباط الطلاب بمجتمعهم”.
وقالت: “هذا البرنامج هو جزء من منظومة أوسع تتمثل في “جواز” وهو وثيقة ترفق بملحق الشهادة وتوثق التزاماتكم المدنية وخبراتكم العملية، لتشكل علامة مميزة لخريجي جامعة الروح القدس – الكسليك. وفي هذا الإطار، نفخر بإطلاق مقررات جديدة في التعليم العام، صممت خصيصا لتلبية أهداف البرنامج وخدمة طلابنا بشكل أفضل، ضمن مسار مستمر من التطوير والتحسين”.
شهادتان
وقدمت الافتتاح الإعلامية جوانا عازار، وتخللته شهادتان للطالبتين ياسمينا رعيدي وأنجلينا الهاشم عن تجربتهما في التطوع، إضافة إلى عرض برنامج “100 ساعة خدمة مجتمعية” وعروض موسيقية حية قدمها طلاب كلية الموسيقى والفنون الأدائية.
جولة
وفي ختام الافتتاح، جالت اللبنانية الأولى على أجنحة المنتدى كافة، مطلعة على أبرز المشاريع والمبادرات الطلابية المشاركة فيه. وتفاعلت مباشرة مع المنظمات والمؤسسات ومع الطلاب، مستمعة إلى تجاربهم ومداخلاتهم، ومشجعة مبادراتهم التي “تعكس حسا عاليا بالمسؤولية والانتماء”، مؤكدة “أهمية دورهم كشركاء فاعلين في بناء المجتمع”.
عن المنتدى
وذكر بيان للجامعة، أن “منتدى التعليم العام يقام كفعالية أكاديمية ومجتمعية تمتد على يومين، بهدف تسليط الضوء على الدور المحوري لمقررات التعليم العام في إعداد طلاب متكاملين يتمتعون بحس نقدي وروح مسؤولة تجاه مجتمعهم. ويشكل المنتدى منصة تفاعلية تجمع الطلاب والأساتذة وشركاء من مختلف القطاعات، حيث تعرض إنجازات طلابية متميزة، وتطلق مبادرات جديدة، وتفتح نقاشات حول قضايا مجتمعية راهنة تواكب اهتمامات الشباب وتحديات الواقع”.
ولفت البيان الى أن “برنامج المنتدى يحفل بالأنشطة التفاعلية، حيث تتحول المشاريع الصفية إلى مبادرات واقعية ضمن أجنحة طلابية متنوعة تغطي مجالات التكنولوجيا، البيئة، الصحة، الثقافة، والاقتصاد، مع تركيز واضح على الاستدامة والابتكار وخدمة المجتمع المحلي. كما يتضمن البرنامج مساحات عرض لمشاريع متعددة التخصصات، إلى جانب أجنحة تعريفية بمقررات تعليم عام حديثة تواكب التحولات المعاصرة، ويوفر فرصا للتواصل مع مؤسسات المجتمع المدني والجهات الشريكة، بما يعزز التعاون بين الجامعة ومحيطها”.
وأوضح أن “المنتدى يقدم منصات حوارية مثل “Real Talk” و”Human Library”، التي تفسح المجال أمام شهادات إنسانية وتجارب حياتية مؤثرة، خاصة في مجالات الإعاقة وإعادة التأهيل والعمل الاجتماعي. كما يحضر الفن والثقافة بقوة عبر عروض مسرحية وموسيقية ونقاشات فكرية، إلى جانب مبادرات مهنية تهدف إلى تأهيل الطلاب لسوق العمل”.
وذكر أنه “في يومه الثاني، يستكمل المنتدى نشاطاته مع تركيز إضافي على ريادة الأعمال، البيئة، والهوية المهنية، إلى جانب نقاشات عامة حول قضايا اجتماعية ووطنية ومبادرات مدنية. ويهدف المنتدى إلى إبراز أثر التعليم العام خارج القاعات الدراسية، وتمكين الطلاب من أداء دور فاعل في مجتمعاتهم، وتعزيز التعلم المتعدد التخصصات وربطه بالواقع، فضلا عن توطيد الشراكات بين الجامعة والمجتمع، بما يؤكد التزام الجامعة بتقديم تعليم شامل ينمي المهارات الحياتية ويعزز الجهوزية للمستقبل”.
