بقلم// د. عدنان منصور*
إندفاع لبنان المتمثل برئيس جمهوريته، ورئيس حكومته، وأخذهما المبادرة فجأة، ودعوتهما “إسرائيل” إلى إجراء مفاوضات معها، في ظلّ احتلالها لجزء من أرضه، وتحت النار، تترتب عليها نتائج خطيرة ليس بمقدور لبنان أن يتحمّلها، أكان ذلك على مستوى الدولة أو على مستوى القاعدة الشعبية العريضة.
ما الذي ينتظره لبنان من مفاوضات تجري تحت النار، تجبره عليها “إسرائيل” والولايات المتحدة، من خلال استمرار العدوان، واستخدام القوة، وفرض العقوبات، وممارسة الضغط السياسي والدبلوماسي، وتجييش حرب إعلامية ونفسية في الداخل، وإكراهه على القبول بشروط التفاوض المباشر وإلا…
مبادرة لبنان وقبوله بمفاوضات مباشرة مع “إسرائيل”، انطلقت من موقع الضعف لا من موقع القوة، وهذا ما ستستغلّه “إسرائيل” كثيراً وهي تناور، وتهدّد، وتضغط، وتبتز، وتراوغ، لا سيما أنّ المفاوض اللبناني لا يحمل في يديه أيّ ورقة من أوراق القوة والضغط، بل آثر أن يلبّي مسبقاً مطالبها، بدعم أميركي، وذلك عندما تضمّن نص وقف إطلاق النار ما يلي: “يُقرّ كلا البلدين بالتحديات الجسيمة التي تواجهها الدولة اللبنانية جراء المجموعات المسلحة غير التابعة للدولة، والتي تقوّض سيادة لبنان وتهدّد الاستقرار الإقليمي!”.
لأول مرة في تاريخ المفاوضات، تفاوض دولة عدواً يحتلّ أرضها، تبرّر اعتداءاته، ثم تحمّل المسؤولية الكاملة لشريحة وطنية داخلية قاومت الاحتلال لعقود، وتتجاهل عن عمد، ولا تجرؤ أن تشير من قريب أو بعيد في نص الاتفاق، إلى ما قامت وما تقوم به “إسرائيل” من اعتداءات متواصلة على لبنان منذ عقود، بل جاء النص ليبرّئ الاحتلال، ويضعه في خانة المظلوم والمعتدى عليه، ويحمّل بالتالي المسؤولية إلى “المجموعات المسلحة غير التابعة للدولة التي تقوّض سيادة لبنان، وتهدّد الاستقرار الاقليمي!”.
إنه العار على جبين المسؤولين المتنكّرين لشهداء الوطن الذين سقطوا على أيدي جيش الاحتلال دفاعاً عن سيادة لبنان، وكرامة شعبه، وسلامة أرضه. مسؤولون ضربوا بعرض الحائط، بيانات الحكومات السابقة ذات الصلة بحق لبنان في مقاومة الاحتلال، وتنصّلوا منها! وفق أيّ منطق، وكرامة، ووطنية، وافق لبنان على تضمين الاتفاق نصا يؤكد على “حق إسرائيل الأصيل في الدفاع عن النفس”؟! في حين لم يُشِر النص إلى حقّ لبنان في الدفاع عن نفسه؟! ألهذا الحدّ وصل الهوان والرضوخ، حتى يوافق المفاوض اللبناني باسم الجمهورية، ويؤكد، ويقرّ بأنّ “إسرائيل” لا تشكل مطلقاً تهديداً للبنان، وإنما التهديد والعدوان يأتي منه! لم يكتف الاتفاق بهذا القدر، بل أضاف: “يؤكد كلّ من “إسرائيل” ولبنان أنهما ليسا في حالة حرب، ويلتزمان بالانخراط في مفاوضات مباشرة بحسن نية”! لبنان و”إسرائيل” ليسا في حالة حرب يا حكام لبنان؟! قولوا لنا بكلّ صراحة وعلانية، هل هما اليوم في حالة عشق، وغرام، وعناق، وانسجام! ما هذه المفاوضات، وهذا الانبطاح اللذان يجرّدان لبنان من أيّ قوة، ويجعلانه تحت ضغط دولة الاحتلال ودعم “الوسيط” الأميركي دون تحفظ لمطالب العدو، بعد أن تبيّنت لهما هرولة لبنان لإجراء المفاوضات المباشرة، دون تحفظ، أياً كانت نتائجها وتداعياتها!
ليقل لنا المندفعون باتجاه المفاوضات المباشرة، هل بقيت للبنان ورقة واحدة من أوراق القوة، حتى يفاوض تحت الاحتلال وتحت النار، وكي يستطيع من خلالها تحقيق مطالبه وشروطه؟ ورقة التوت أسقطها المسؤولون بأنفسهم عن لبنان، ليذهب المفاوض اللبناني لاحقاً إلى التفاوض، مجرّداً من أيّ قوة يضعها على طاولة المفاوضات، يستطيع من خلالها التوصّل إلى تحرير أرضه، واستعادة سيادته الكاملة عليها! هل يُعقل أن يتضمّن نص الاتفاق في الفقرة 3، بأن “تحتفظ “إسرائيل” بحقها في اتخاذ كافة التدابير اللازمة للدفاع عن النفس في أيّ وقت، ضدّ أيّ هجمات مخطط لها، أو وشيكة، أو جارية، ولن يحول وقف الأعمال العدائية دون ممارسة هذا الحق”!؟ كيف يمكن للدولة اللبنانية عبر مفاوضها “العظيم”، منح السلطة الاستنسابية المطلقة لـ “إسرائيل”، والإقرار بحقها القيام في أيّ وقت تشاء، بالاعتداء على لبنان بحجج وذرائع واهية، لا أساس لها، تحت غطاء “هجمات مخطط لها أو وشيكة”. وهذا ما جعل “إسرائيل” رغم اتفاق وقف إطلاق النار، تستمرّ في اعتداءاتها، مستندة إلى موافقة مسبقة من الدولة اللبنانية “الحريصة” كلّ الحرص على أمن وسلامة “إسرائيل”! لقد تضمّن الاتفاق أيضاً “ترسيم الحدود اللبنانية الدولية، وصولاً إلى إبرام اتفاق شامل يضمن الأمن والاستقرار والسلام الدائمين بين البلدين”! على أيّ أساس سيتمّ التفاوض على ترسيم الحدود اللبنانية، المرسمة أصلاً عام 1923 بموجب “اتفاقية بوليه Paulet، نيوكمب Newcombe ، وهو الترسيم الرسمي النهائي للحدود المثبتة على الأرض، بموجب الاتفاقية المبرمة يوم 7 آب/ أغسطس 1923 بين لبنان (الانتداب الفرنسي)، وفلسطين (الانتداب البريطاني).
أيّ حدود يتطلع إليها لبنان المفاوض، في الوقت الذي تعتزم فيه “إسرائيل” إنشاء حزام أمنيّ على موازاة الحدود اللبنانية الفلسطينية المحتلة، بمساحة تتجاوز 400 كلم2، وبعمق بين 5 و12 كلم من الحدود الدولية؟! هذا الحزام يمتدّ من البحر الأبيض المتوسط حتى الحدود السورية شرقاً، وصولاً إلى نهر الليطاني. مشروع الحزام الأمني الذي تعتزم “إسرائيل” تنفيذه يأتي في سياق دعوات إسرائيلية لاجتياح أوسع، يشمل 55 بلدة لبنانية حدودية، وذلك بعد أن دمّر الجيش الإسرائيلي البنى التحتية، والمنشآت المدنية، وسوّى القرى بالأرض لتحويلها أرضاً محروقة، ومنطقة عازلة، يُحرّم على سكانها العودة اليها!
ليقل لنا حكام لبنان “الحريصون” على سيادة لبنان وأرضه وشعبه، كيف ستمنعون “إسرائيل” من تحقيق أطماعها؟! هل لديكم ثقة بها، وبالوسيط الذي ترتمون في أحضانه،
وتعتمدون عليه وهو الذي يُملي، يوجه، ويضغط على قراركم، حتى صرنا نتساءل بمرارة وأسف، هل نحن فعلاً نعيش في وطن مستقلّ، أم أننا تحت وصاية انتداب خارجي، المسؤولون فيه أشبه بخيالي مآتة على أرض بلدهم!
هل تأخذ الرئاسة والحكومة اللبنانية العبرة من الذي جرى في أوسلو عندما ذهبت منظمة التحرير الفلسطينية إلى مفاوضات مباشرة مع “إسرائيل”؟! هل احترمت “إسرائيل” مرة قراراً دولياً، أو وفت بتعهّداتها، أو التزمت باتفاقاتها؟! ما الذي تبقى من الدولة الفلسطينية في اتفاق أوسلو؟! أين هو مصير الضفة الغربية وغزة من الدولة الفلسطينية؟! يوم 13 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، صوّت الكنيست الإسرائيلي على مشروع قرار يدعم ما أسماه السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية، وهي خطوة تمهّد بها “إسرائيل” لضمّ الضفة إليها. جاء هذا بعد أن صوّت الكنيست في وقت سابق بأغلبية ساحقة ضدّ إقامة دولة فلسطينية، بإجماع ضمّ الائتلاف الحكوميّ والمعارضة، رافضاً السيادة الفلسطينية، ومعززاً السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية.
للمسؤولين الذين يعلقون الآمال وهماً على المفاوضات المباشرة مع “إسرائيل”، لا تنتظروا خيراً منها، ولا من راعيتها وداعمتها الولايات المتحدة. إنّ الحزام الأمني الذي تعمل “إسرائيل” على تحقيقه، ستستثمره لاحقاً لفرض سيادتها عليه، والتي لن تقتصر على الحزام الأمني فقط، بل ستوسّع الحزام ليشمل أجزاء من المنطقة الاقتصادية الحصرية للبنان التي حصل عليها عام 2022 بموجب اتفاق ترسيم الحدود البحرية، والمنطقة الاقتصادية الحصرية مع “إسرائيل”.
هل يستطيع المفاوض اللبناني الذي هرولت دولته باتجاه المفاوضات المباشرة مع “إسرائيل”، أن يتمسك بحقوق لبنان الكاملة دون تنازل أو ضغط، خاصة بعد أرتفاع أصوات داخل “إسرائيل” تلوح بالانسحاب من الاتفاق البحري أو تعديله”!
يا رئيسي الجمهورية والحكومة، خذوا العبرة من أوسلو، وانظروا إلى ما هو عليه رئيس “دولة” مقاطعة رام الله، وما آل إليه وضع الفلسطينيين، وما يجري في الضفة الغربية وقطاع غزة. اتفاق أوسلو الذي نحرته تل أبيب، شاركها “الوسيط” الأميركي الذي لم يكن يوماً إلا منحازاً لـ “إسرائيل”، يباركها في كلّ ما تفعله وتقوم به في كلّ صغيرة وكبيرة.
أيها المسؤولون المراهنون على المفاوضات المباشرة، لقد انتزعت منكم “إسرائيل” اعترافكم المباشر بها، قبل أن تبدأ المفاوضات الحاسمة معها، وهذا ما تريده منكم، لكنكم لن تنتزعوا منها كامل حقوقكم، فشتان بينكم وبينها، وشتان بين الثعلب والحمل، وبين المخادع والمغفل، وبين الداهية والأحمق!
المفاوضات التي أردتموها مباشرة، وزحفتم إليها، لن تنالوا منها ما تريدون. طالما “إسرائيل” تعلم جيداً حجمكم وكيفية وأسرار وصولكم إلى السلطة، ومدى “حرية” و”استقلالية” قراركم، وفي أيّ اتجاه يصبّ ولاؤكم، وهي الأعلم بحالكم!
بانتظار نتائج مفاوضاتكم، سيضعكم اللبنانيون تحت المجهر، بعدها ستظهر الحقيقة كاملة، و”يأتيك بالأخبار مَن لم تزوّد”. عندها، سيقول الشعب كلمته مثل ما قالها في اتفاق العار الذي حمل يوماً اسم اتفاق أيار!
الذين يتنكّرون اليوم للحقيقة، وللشهداء الذين دافعوا عن وجود. وشرف، وكرامة وعزة لبنان، ورووا الأـرض بدمائهم الزكية، لن يغفر التاريخ ولا الأحرار لهم، وسيعلمون عاجلاً أم آجلاً حجم الخطيئة التي ارتكبوها بحق وطن وشعب وأرض، وما سينتظرهم من حساب…!
*وزير الخارجية والمغتربين الأسبق
