بقلم// العميد الركن المتقاعد د. جوزف س. عبيد
في لبنان، لا تبدو المشكلة في غياب الخلاف داخل السلطة، بل في طريقة إدارته. فالخلاف حاضر، مُعلن، وأحيانًا مرتفع السقف. لكن ما يغيب في كثير من الأحيان هو ما يفترض أن يلي هذا الخلاف: تحمّل المسؤولية.
حين يخرج وزير ليعلن رفضه لقرار حكومي، ثم يعود في اليوم التالي إلى مكتبه ليُمارس عمله بشكل طبيعي، يصبح المشهد ملتبسًا. هل نحن أمام ديمقراطية تسمح بتعدد الآراء داخل الحكومة؟ أم أمام صيغة تُدار فيها الخلافات من دون أي كلفة سياسية؟
لبنان، بحكم تركيبته، ليس كغيره من الدول. الحكومات فيه غالبًا ائتلافات واسعة، تقوم على توازنات دقيقة، طائفية وسياسية، تجعل الاستقالة قرارًا مكلفًا، ليس فقط على الشخص، بل على الفريق الذي يمثله، وربما على الاستقرار العام. هذا واقع لا يمكن تجاهله. لكن في المقابل، لا يمكن تحويل هذا الواقع إلى مبرّر دائم لتعليق مبدأ المسؤولية.
الديمقراطية لا تكتمل بحرية الاعتراض داخل مجلس الوزراء، بل تُقاس بمدى الالتزام بنتائج القرار بعد صدوره. فالوزير، حتى لو عارض، يبقى جزءًا من سلطة اتخذت القرار. وهنا تحديدًا تكمن الإشكالية اللبنانية: ازدواجية في الموقع والدور، حيث يجتمع الاعتراض والمشاركة في آن واحد، من دون أن يُحسم أي منهما.
في كثير من الحالات، يتحول الاعتراض إلى رسالة موجهة للجمهور، أكثر منه محاولة فعلية لتغيير القرار. يُقال ما يجب قوله لطمأنة البيئة السياسية، بينما يبقى القرار قائمًا كما هو. وهكذا، لا يتغيّر المسار، ولا تُدفع كلفة الموقف.
النتيجة؟ ضبابية في المسؤوليات. المواطن لا يعرف من يحاسب: هل يحاسب من اتخذ القرار؟ أم من اعترض عليه؟ أم كليهما؟ فيغيب الخط الفاصل بين السلطة والمعارضة، وتتحول الحكومة إلى مساحة يجتمع فيها الطرفان، دون وضوح في الأدوار.
هذا النموذج لا يُنتج ديمقراطية ناضجة، بل يخلق ما يمكن تسميته “إدارة للخلاف” بدل أن يكون الخلاف أداة تصويب. فالديمقراطية ليست فقط حق الكلام، بل أيضًا التزام بنتائج المواقف. وعندما يغيب هذا الالتزام، يفقد الاعتراض قيمته، ويتحوّل إلى شكل بلا مضمون.
قد لا تكون الاستقالة دائمًا الحل، لكن غياب أي ثمن سياسي للاعتراض ليس حلًا أيضًا. بين هذين الحدّين، يحتاج لبنان إلى إعادة تعريف العلاقة بين الموقف والمسؤولية، بين المشاركة والاعتراض، وبين البقاء في السلطة وتحمل تبعات قراراتها.
عندها فقط، يمكن أن نجيب بوضوح على السؤال:
هل نحن أمام ممارسة ديمقراطية فعلية، أم أمام إدارة خلاف داخل السلطة، تُخفّف الضغط دون أن تغيّر شيئًا في الواقع؟
