بقلم// خضر رسلان
ليست الحكاية تفصيلًا سياسيًا عابرًا يمكن احتواؤه بخطاب أو طاولة تفاوض، بل صراع على الذاكرة نفسها: هل تُحفظ كما هي، أم يُعاد تشكيلها بما يناسب اللحظة؟ في جنوب لبنان، لا تُروى القصة من الكتب فقط، بل من البيوت المهدّمة ومن أسماء الأطفال التي بقيت معلّقة بين السماء والتراب. منذ الأربعينيات، لم يكن الجنوب هامشًا، بل خط تماس مفتوح على الخطر. في زمن حرب 1948، لم تكن هناك فصائل فلسطينية في لبنان، ولا تنظيمات مقاومة كما يُقال اليوم لتفسير كل شيء، بل واقع بسيط وقاسٍ: اعتداء يقع، وسكان يدفعون الثمن.
في حولا سقط مدنيون في واحدة من أبكر المجازر على الأرض اللبنانية، وفي حنين تكرّر المشهد بوجوه مختلفة: قتل وتهجير ورسالة واضحة بأن هذه الأرض يمكن استباحتها متى غابت الحماية. لم تكن تلك أحداثًا معزولة، بل بداية مسار طويل من الألم. في تلك اللحظة، لم يخرج الصوت من تنظيم مسلح، بل من مرجعية وطنية ودينية بحجم الامام السيد عبد الحسين شرف الدين، الذي لم يطلب حربًا ولا مغامرة، بل توجّه إلى الدولة، إلى رئيسها بشارة الخوري، مطالبًا بأبسط ما يفترض أن يكون بديهيًا: حماية الناس. كانت رسالته صريحة—الجنوب يُترك لمصيره. لم يكن ذلك تحليلًا، بل توصيفًا لواقع يومي عاشه الأهالي.
لكن المسار لم يتوقف عند ذلك الحد، بل تراكم. الاعتداءات لم تكن رد فعل كما يُروّج لاحقًا، بل أصل المشكلة. من هناك، تتابعت الفصول، وتحوّل القصف إلى نمط متكرر، والدمار إلى مشهد مألوف، والذاكرة إلى حمل ثقيل لا يمكن التنصل منه. في قانا، لم تكن المجزرة رقمًا عابرًا، بل لحظة صادمة حتى لمن اعتادوا أخبار الدم؛ مدنيون احتموا بموقع تابع لـ الأمم المتحدة، فجاءهم القصف بدل الحماية. وفي المنصوري تكررت الصورة: بيوت تُهدم، عائلات تُشرّد، وأطفال يتحولون إلى أرقام. ليست هذه حوادث منفصلة، بل حلقات في سلسلة واحدة، تبدأ بالاعتداء ولا تنتهي عند التبرير.
ورغم هذا الامتداد الواضح للتاريخ، تخرج اليوم سلطة تتحدث بلغة مختلفة، وكأنها تبدأ من الصفر، وكأن كل هذا يمكن وضعه جانبًا تحت عنوان “السلام”. لكن أي سلام هذا الذي يُبنى على تجاهل السبب؟ وأي منطق يطلب من الضحية أن تغيّر سلوكها، بينما يُترك المعتدي خارج أي مساءلة؟ إن تحويل النقاش من وقف الاعتداء إلى ضبط رد الفعل ليس سياسة، بل تكرار للفشل نفسه الذي حذّر منه الامام شرف الدين قبل عقود. المشكلة ليست في السعي إلى الاستقرار، بل في الثمن المطلوب لتحقيقه؛ حين يُطلب من الناس أن ينسوا، أن يتجاوزوا، أن يتصرفوا وكأن ما جرى لم يكن، فإننا لا نصنع مستقبلًا، بل نؤجل انفجارًا جديدًا.
الذاكرة هنا ليست عبئًا، بل ضمانة، ومن يتخلّى عنها يفقد القدرة على الفهم قبل أي شيء. من حولا وحنين إلى قانا والمنصوري، ليس هناك فراغ في السرد، بل خط متصل من الاعتداءات الممتدة منذ منتصف القرن الماضي. هذه ليست وجهة نظر، بل تجربة عاشتْها القرى، ودفع ثمنها الأبرياء. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم لا يتعلق بالشعارات، بل بالرهان: على ماذا تراهن هذه السلطة؟ أتراهن على ذاكرة يمكن محوها، أم على صبر شعبٍ تعلّم من تاريخه أكثر مما يُقال له؟ التاريخ يجيب بوضوح: الرهان على النسيان خاسر دائمًا. احذروا صول من يفقد صبره، فمن ذاق التهجير والقتل طويلًا، لا يُقنعه إنكار، ولا يردعه رهان يتجاهل كل ما سبق.
