كتب// قاسم جمال الدين
يتردد كثيرا على ألسنة سياسيين وسياديين وحياديين في لبنان وعديد من الأبواق التي تتحدث العبرية بلسان عربي مبين، أن الحرب مفروضة على لبنان ولم يخترها – وهذا صحيح حتى هنا- الا أنهم يتبنون في ما تبقى من خطابهم سردية صهيونية تحمّل مسؤولية الأمر لمن يقاوم العدوان ويرد الاعتداء ويدافع عن الوطن وكرامته وسيادته ومستقبل أبنائه. وغيّبوا عن سوء قصد الحقيقة الأبرز، وهي أن المعتدي الذي يفرض الحرب على لبنان هو الصهاينة وأطماعهم ومشاريعهم وعنصريتهم، وذلك قبل أن يتسلح أي لبناني ولو ببندقية صيد.. وطوال دهر أوهَمَنا فيه صنّاع الرأي في بلدنا أن “قوة لبنان في ضعفه”، حتى وصل جيش الصهاينة الى قلب بيروت، ووجد من يستقبله وينسق معه ويتعاون، ويقيم لضباطه وقادته حفلات المجون في الملاهي ومآدب الترحيب في البيوت ويعينه في ارتكاب المجازر ضد الوطن وأبنائه في كل مكان.
ان عرضا تاريخيا لسلسلة الاعتداءات الصهيونية على لبنان، يؤكد أن هذا العدو هو الذي كان، ولا يزال، مصدر الحرب على لبنان وفي لبنان، وذلك منذ تأسيس الكيان الغاصب في فلسطين. سواء كان ذلك من خلال العمليات العدوانية العسكرية وما تخللها من مجازر، أو في أطماعه بلبنان وأرضه ومياهه الواضحة صراحة في العديد من الوثائق الصهيونية المنشورة، أكان ذلك على لسان قادته ومؤسسيه أو في كتابات العديد من صناع الرأي الصهاينة.
وفي ما يلي عرض يتضمن لائحة الاعتداءات الصهيونية على لبنان منذ عام 1948 وحتى ما قبل نشوء أية مقاومة في لبنان.
• عام 1948 نفذ الصهاينة عملية “عملية حيرام” وتقدّموا داخل جنوب لبنان حيث تم احتلال نحو 15 قرية لبنانية وقاموا بمجزرة حولا التي تم خلالها اعدام عشرات المدنيين.
• وشهدت الفترة بين عامي 1949 و1967 خروقات شبه يومية للحدود تجلّت في عمليات قصف واغتيال داخل القرى الجنوبية واعتداءات على الصيادين والمزارعين.
• في العام 1968 اعتدى الصهاينة بشكل مباشر على البنية التحتية المدنية في لبنان، وذلك في غارة نفذتها طائرات سلاح الجو الصهيوني على مطار بيروت الدولي فدمرت مدارجه وأحالت طائرات اسطول طيران الشرق الأوسط الى كتل من الحديد.
• وبين عامي 1970 1977، تصاعدت الاعتداءات الصهيونية على لبنان بواسطة الغارات الجوية، لتشمل ضرب المخيمات الفلسطينية الموجودة على الأرض اللبنانية، كما توسعت أعمال العدوان الى العمق اللبناني لتشمل صيدا والنبطية.
• في العام 1978، نفذ جيش الصهاينة عملية عسكرية واسعة أسماها “عملية الليطاني” كانت ايذانا بالتحول من الغارات والقصف الى احتلال فعلي لجزء من أرض الجنوب اللبناني حتى نهر الليطاني، أعلن فيها عن انشاء منطقة أمنية وقام بتهجير عشرات الآلاف من المدنيين اللبنانيين.
• في العام 1982، نفذ الصهاينة اجتياحا عسكريا بريا ضد لبنان، وصلوا فيه الى العاصمة بيروت، وتكشفت خلاله درجة التغلغل الصهيوني الاستخباراتي في لبنان من “أبو الريش” (ذلك المشرد الذي كان يتلقى الصدقات على أرصفة بيروت، وكان في الحقيقة ضابطا في جهاز المخابرات الصهيوني “الموساد”)، وصولا الى سياسيين وقادة أحزاب لبنانيين تولوا التخطيط مع الصهاينة لكيفية إحكام الحصار على بيروت وتنفيذ المجازر وتسهيل أداء جيش الصهاينة.
• أما موضوع ما أعقب اجتياح 1982، فلذلك حديث آخر.
كل ذلك، وكان أسلاف السياديين الجدد، من السياسيين القدامى، يقنعون اللبنانيين أن قوة لبنان في ضعفه.
كان يمكن أن نقبل تفسيراٌ لذلك أن هؤلاء السياسيين القدامى كانوا من قليلي الحيلة أو من الذين لا يحسنون التحليل أو لا يملكون القدرة على اتخاذ قرار… الا أن ما وجدناه من ورثة هذا النهج السياسي والفكري بعدما امتلك لبنان “مقاومة” ترد على العدو الصهيوني وتوجعه في عمق مصالحه وأهدافه وأطماعه، أقول لم نجد من هؤلاء الورثة الا استماتة في تحميل مسؤولية الاعتداءات الصهيونية على لبنان لمن يواجهها، وغُلوّاً في التماهي مع سياسات الأعداء ورواياتهم والسعي لتبرير أفعالهم وتحقيق أهدافهم. بل ان البعض منهم بات يذهب في طروحاته ومطالباته أبعد من العدو نفسه، وكأني بهم استطابوا الذل وجنحوا في الإستنذال، مؤكدين أن في لبنان ساسة و”قادة رأي” يعبرون عن خيار بعيد كل البعد عن مصلحة لبنان واللبنانيين والدفاع عنهم وعن مصالحهم.
بكل أسف، يتبنى هذا الخيار أفراد (وأحيانا مجموعات) من كل المناطق والمذاهب والأديان…
وبكل فخر، فإن هؤلاء لا يعبّرون عن منطقة أو مذهب أو دين.
أما في ما يتعلق بالمشاريع الصهيونية وأطماعها في لبنان والمنطقة، فسأتناول منها ما قد أصابه النسيان (عن تقصير أو قصور أو عن سوء قصد).
لقد ظهر التيار التوسعي المبكر في كتابات “دافيد بن غورين” ومداولاته عندما تحدث عن أهمية المياه والحدود القابلة للتوسع. وأوضح ذلك “حاييم وايزمان” في مراسلاته (قبل عام 1948) عندما طالب بضم مناطق غنية بالمياه من لبنان وسوريا. وتشير هذه النصوص الى “اهتمام مبكر” بنهر الليطاني وغيره من الموارد المائية في لائحة الأطماع الصهيونية. إذ يُعتبر نهر الليطاني هدفًا استراتيجيًا في عدة دراسات صهيونية، وقد طُرحت مشاريع عديدة لتحويل مياهه أو الوصول إليه عسكريًا.
وفي الشأن السياسي الداخلي للبنان ووحدته وسلامة أراضيه، نجد مذكرات “موشي شاريت” الذي تحدث فيها (وهي منشورة واستشهدت بها صحيفة “لوموند ديبلوماتيك” الفرنسية في عددها لشهر أيلول 1982 في الصفحة الثالثة عشرة) عن تداول بينه وبين “مناحيم بيغن” و”اسحق لافون” و”موشي دايان” لفكرة تقسيم لبنان ودعم كيان مسيحي منفصل فيه. وتم تدعيم جدية هذه المخططات في الدراسة الشهيرة “استراتيجية اسرائيل في الثمانينات” التي كتبها “عوديد اينون” ونشرتها مجلة “كيفونيم” التي تصدرها المنظمة الصهيونية العالمية عام 1982. وأبرز ما فيها “تفتيت الدول العربية وتقسيم لبنان الى كيانات طائفية. وهي، وإن لم تكن خطة رسمية معلنة للكيان الصهيوني، الا انها تعكس توجهات ومخططات مدرسة فكرية واستراتيجية معادية تهيمن على المجتمع الصهيوني.
وبرزت آثار هذه المخططات في الحرب التي انطلقت في لبنان في 13 نيسان 1975، بعد حادثة “بوسطة عين الرمانة” والتي حمّل بيار الجميل (مؤسس حزب الكتائب) مسؤوليتها لإسرائيل كما ورد في مانشيت صحيفة النهار غداة الحادثة. ومن هذه الآثار دعم أطراف لبنانية اختارت التعامل مع الصهاينة، لإحداث التأثير في التوازنات الداخلية اللبنانية واعادة تشكيل النظام السياسي في لبنان وفق أهواء المطامع الصهيونية. فأقام جيش الاحتلال ما سماه “منطقة أمنية” ووجد في “الرائد الخائن سعد حداد” ضالة كان يبحث عنها منذ العام 1954 (كما ورد في مذكرات “شاريت” ونُشر في “لوموند ديبلوماتيك”) وأقامت له ميليشيا أسمتها “جيش لبنان الحر” ما لبثت أن تحولت الى “جيش لبنان الجنوبي” بقيادة “اللواء العميل أنطوان لحد” والذي تعارف اللبنانيون على تسميته “جيش العميل لحد”.
ولم يكتفِ الصهاينة بذلك، بل دأبوا على تحريك وتطوير أدواتهم في الداخل اللبناني لِبَثّ الفرقة والفتنة على أسس طائفية ومذهبية ومناطقية، سعيا لتفتيت الداخل اللبناني الذي أثبت أنه يستطيع، حين يقاوم، أن يقف في وجه الأطماع الصهيونية ويثبت أن لبنان قوي بمقاومته وليس بضعفه.
إذن، فعلا هناك حرب مفروضة على لبنان. ولكن الذي يفرضها هو العدو الصهيوني منذ 75 عاما وحتى اليوم. قدرنا أن نواجهها وليس أن نستكين أمامها.
هذا قدرنا إن شئنا أن نحيا كراما.
