بقلم// العميد الركن المتقاعد د. جوزف س. عبيد
في خضم الانقسام الحاد الذي نعيشه، يطفو على السطح جدل لا ينتهي بين من يدعو إلى التفاوض المباشر، ومن يفضّل التفاوض غير المباشر، وبين من يرفض التفاوض أصلًا باعتباره تنازلًا مرفوضًا. لكن الإشكالية الأعمق لا تكمن في شكل التفاوض، بل في مواقف متناقضة تعكس غياب رؤية موحّدة: فهناك من يرفض التفاوض من دون أن يقدّم بديلًا واقعيًا، وهناك من يرفضه لأنه يعتقد أن الحسم ممكن بالقوة، وأن ما يملكه كفيل بفرض شروطه على الطرف الآخر.
أمام هذه التناقضات، يبرز سؤال أساسي لا يمكن الهروب منه: ما هو الخيار الحقيقي المتاح؟ هل نملك فعلًا القدرة على الحسم العسكري؟ أم أننا أمام حرب مفتوحة لا نهاية واضحة لها؟
كثير من الإجابات التي نسمعها تأتي مشبعة بالعاطفة والغضب، وهي مشاعر مشروعة في ظل الخسائر اليومية والألم المتراكم. إلا أن هذه العاطفة، حين تتحوّل إلى قرار، قد تدفع نحو مزيد من التصعيد بدل البحث عن مخرج. فالحروب لا تُحسم بالشعارات، بل بميزان القوى، وهذا الميزان يقول بوضوح إن لا طرف قادر على إلغاء الآخر بالكامل، ولا إمكانية لتحقيق نصر نهائي حاسم يضع حدًا للصراع.
في المقابل، استمرار الحرب لا يعني إلا استنزافًا مفتوحًا: أرواح تُزهق، اقتصاد ينهار، مجتمع يتفكك، ومستقبل يُرهن لأجيال قادمة. أما الرهان على الوقت، فغالبًا ما يكون رهانًا خاسرًا، لأن الزمن في الحروب لا يعالج الأزمات بل يعمّقها، ويحوّلها إلى واقع دائم يصعب الخروج منه.
من هنا، يصبح التفاوض، بكل أشكاله، خيارًا لا يمكن تجاهله أو القفز فوقه. سواء كان مباشرًا أو عبر وسطاء، فإن جوهره واحد: البحث عن تسوية تُوقف النزيف وتفتح نافذة نحو الاستقرار، ولو كان هشًا في بداياته. فالتفاوض ليس استسلامًا، بل اعتراف بحدود القوة، ومحاولة لتحويل الصراع من مواجهة مفتوحة إلى مسار قابل للإدارة.
قد لا يكون التفاوض حلًا مثاليًا، وقد لا يلبّي كل الطموحات، لكنه في كثير من الأحيان الخيار الأقل كلفة مقارنة باستمرار الحرب. والتاريخ مليء بأمثلة لنزاعات طويلة انتهت على طاولة المفاوضات، لا في ساحات القتال.
الخلاصة أن المسألة لا تتعلّق برفض التفاوض أو قبوله من منطلق عاطفي، بل بمدى قدرتنا على تقديم بديل واقعي. وعند دراسة كل السيناريوهات بموضوعية، يتبيّن أن وقف الحرب لا يتحقق إلا عبر الوساطات والمفاوضات، لأنها الطريق الوحيد الذي يمكن أن ينقلنا من منطق الخسارة المستمرة إلى أفق حل ممكن، ولو كان تدريجيًا.
وفي نهاية المطاف، يبقى الرهان الحقيقي على وعي الناس وقدرتهم على التمييز بين الصوت المرتفع والصوت الحكيم. فالتعقّل ليس ضعفًا، والهدوء ليس تراجعًا، بل هما الشرط الأول لأي قرار مسؤول يحفظ ما تبقى من وطن.
لعل اللحظة التي نحتاجها اليوم ليست مزيدًا من الشعارات، بل وقفة صادقة مع الذات، نُخفض فيها حدّة الانفعال، ونرفع فيها صوت العقل، لأن الأوطان لا تُبنى في ذروة الغضب، بل في لحظات الوعي والهدوء.
