بين التفاوض والحرب… أين الخلاص؟

بقلم// العميد الركن المتقاعد د. جوزف س. عبيد 

في زمنٍ تتكاثر فيه الأسئلة وتضيع فيه البوصلة، نقرأ كثيرًا عن مفاوضاتٍ تُجرى بين الولايات المتحدة وإيران، ونتساءل: كيف يجلس الأعداء إلى طاولة واحدة بعد كل هذا الدم؟ وكيف تُفتح أبواب الحوار فيما الجراح لا تزال تنزف؟

قد يبدو الأمر متناقضًا، بل مستفزًا أحيانًا، لكن الحقيقة أن السياسة لا تُبنى على العواطف، بل على حسابات المصالح وتوازنات القوة. فالتفاوض، في جوهره، ليس صكّ براءة، ولا اعترافًا متبادلًا بالحق، بل محاولة لوقف النزيف حين تعجز الحروب عن الحسم.

ومع ذلك، يبقى السؤال الأعمق: هل التفاوض حلّ، أم مجرّد هدنة مؤقتة؟

الواقع يقول إن كثيرًا من الاتفاقات ليست سوى “حبّة مسكّن”، تخفّف الألم إلى حين، لكنها لا تعالج أصل الداء. وما إن ينتهي مفعولها، حتى يعود الوجع، وربما أشدّ من قبل.

في لبنان، نعيش هذه الحقيقة يوميًا. لا حرب تُحسم، ولا سلام يُبنى، بل حالة معلّقة بين الخوف والانتظار. وكأن هذا الوطن كُتب عليه أن يكون ساحةً لتصفية الحسابات، لا بيتًا لأبنائه.

لكن، وسط هذا المشهد القاتم، يبرز سؤال آخر، أكثر هدوءًا وأعمق أثرًا:

هل المشكلة فقط في السلاح والسياسة، أم في القلوب التي قست، والعقول التي أغلقت أبوابها أمام الرحمة؟
لقد شهد التاريخ صراعاتٍ دامية، وامتلأت صفحاته بالدم والانتقام، ومع ذلك لم يكن القتل يومًا طريقًا للخلاص، ولا الحرب نهايةً للعداوة. وحده الإنسان، حين يعود إلى إنسانيته، يستطيع أن يكسر هذه الدائرة.

وهنا، لا بد من وقفة صادقة:
إن لم تُهدّأ النفوس، فلن تهدأ الجبهات.
وإن لم تُنقَّ القلوب، فلن تنجح أي تسوية.
العودة إلى الله ليست شعارًا، بل ضرورة. هي عودة إلى الضمير، إلى الرحمة، إلى إدراك أن حياة الإنسان أغلى من أي مكسب سياسي، وأن الأوطان لا تُبنى على جماجم أبنائها.

قد لا نملك قرار الحرب أو السلام، لكننا نملك قرارًا آخر:
أن نرفض الحقد، وأن نتمسّك بالأمل، وأن نؤمن أن الحوار، مهما طال، يبقى الطريق الوحيد للخروج من هذا النفق…
ليس التفاوض ضعفًا، ولا الحرب قدرًا محتومًا.

بل إن الخلاص الحقيقي يبدأ حين يختار الإنسان أن يكون أقرب إلى الله… وأقرب إلى الإنسان.

Exit mobile version