امين فتوى طرابلس: النبي إعتمد التفاوض لتخفيف الخسائر في مواجهة الغزوات والحروب

أكد أمينُ فتوى طرابلس وشيخُ قرّائها، الشيخُ بلال بارودي، التزامَ قراراتِ الدولة، فقال: إذا قالت الدولةُ إنها تريدُ سلمًا أردنا سلمًا، وإن قالت إنها تريد حربًا أردنا حربًا، وإن قالت إنها تريد تفاوضًا أردنا تفاوضًا.

وذكّر بأن النبيَّ ﷺ اعتمد التفاوضَ لتخفيف الخسائر في مواجهة الغزوات والحروب، وقال في مستهلّ كلامه: ليست المعارك كلُّها تُحسم بالصواريخ والميادين، وإنما تُحسم أحيانًا بحسن الصلة بالله، وحسن التدبير، وبُعد نظر السياسات الداخلية والخارجية. وأشار إلى أن الرسول ﷺ فاوض؛ فقد فاوض اليهود والعرب والمشركين. فإذا كان قد فاوض أعداءه، فالمفاوضات ليست ضعفًا، بل الضعف أن يخوض الإنسان معركةً بغير بصيرة، وأن يُقاد فيها لا قائدًا، وأن يكون موظفًا لا مدافعًا، مدفوعَ الثمن في معركته، طامعًا في أن ينال منها سطوةً جديدة في البلد. فالتفاوض قوة.

وصحيحٌ أننا في مرحلة ضعف، وأن المفاوض إذا كان في موقف ضعيف لا يستطيع أن يفرض شروطه، ولكن في المقابل: هل يستطيع الناس أن يستمروا على هذه الحال؟ لا يستطيعون.

ثم قال: وهذه غزة؛ رجالُها أبطالُها، الذين أعطوا أهمَّ درسٍ للعالم كله، فكانوا مثال الشجاعة والبطولة والثبات. لم يعطوا العدوَّ ما يريد، لكنهم فاوضوا، فحافظوا على غزة، أو ما تبقّى منها، وحافظوا على أهلها فلم يُهجَّروا، وعلى تماسكهم، وعلى إرادة مقاوميهم، وعلى نبالة قضيتهم وقداستها. تفاوضوا، وقبلوا أن يفاوض عنهم من يخشى عليهم وعلى فلسطين، ولا يتاجر بها؛ فقبلوا العرب مفاوضين، وقبلوا الغرب رُعاة، واستشاروا أهل غزة فوافقوا. ولم تنتهِ القضية، وهي إلى الآن محاصَرة، لكن العدو لم يحقق ما يريد؛ دمر وقتل، أما الانتصار بمعناه الحقيقي فلم يَتحقق له.

وتابع قائلًا: إذا كان النبي ﷺ قد فاوض لتخفيف الخسائر، فإن العالم ترك إيران خمسين عامًا تسرح في المنطقة كيف تشاء، يأخذ منها الغنائم، ويترك على العالم العربي الغُرمَ والمصائب. ثم اختلفوا فيما بينهم على توزيع الحصص، فضرب الله بين قلوبهم. ولكن لاحظوا: عندما وصلوا إلى اتفاق وقف إطلاق النار الهش، من الذي لم يستفد من ذلك؟ لبنان والدول العربية ودول الخليج، إذ لا تزال الصواريخ الإيرانية تصل إليهم وتؤذي أمنهم واقتصادهم.

ومن أين ذلك؟ من إيران ولبنان الهشّ الذي لم تستقر الأمور فيه إلى الآن. واليهود قومُ غدرٍ وإجرام، لا يفرّقون بين مدني وعسكري، ويريدون أخذ لبنان كله. ولكن من في الواجهة لا يقاومون إسرائيل على أنها عدو، بل يريدون أن يأخذوا من لبنان ما تطمع به إسرائيل، وهذا أكبر خطأ. ويتهمون الدولة ومن على رأسها، وإن كنا نراهم مقصّرين، بأنهم صهاينة، ويصبّون عليهم جام غضبهم ويتآمرون عليهم، بل ويهددونهم. سبحان الله! كيف اختلّت البوصلة، وعمي البصر والبصيرة، حتى صار البلد يُهدَّد من الداخل بحرب أهلية بسبب أمثال هؤلاء!

الدولة تفاوض؟ نعم، نحن مع التفاوض. الدولة تحارب؟ نعم، نحن مع الحرب. الدولة تسالم؟ نحن مع السلم. فإما دولة أو لا دولة.

أما أنتم، فما حاربتم إلا حين قُتل كبيركم، وما ضربتم العدو إلا حين ضُربت إيران. أما نحن فنقف مع الدولة: إن قالت سلمًا قلنا سلمًا، وإن قالت هدنة قلنا هدنة، وإن قالت حربًا قلنا حربًا. ولكن لا تصلح الفوضى، ولا يصلح أن يسود الجهال؛ وهؤلاء إن سادوا أفسدوا البلد، وإن فعلوا فودّعوا البلد، فلن تقوم له قائمة.

وأضاف قائلًا: أيها اللبنانيون، مسلمون ومسيحيون، وكل الطوائف، لقد تعاقدنا على عقدٍ اجتماعي في هذا البلد، أن نعرف واجباتنا، ونطالب بحقوقنا، ونعيش عيشًا مشتركًا آمنًا، لا تضغط طائفة على أخرى، ولا يطغى سلاحٌ على أعزل. هكذا اتفقنا، وهكذا انتهت الحرب الأهلية في لبنان، فإياكم أن تغامروا مغامرةً أخرى تكون خطرًا علينا جميعًا.

فالمتربصون بنا كثر؛ الأمريكيون لن يتركونا سالمين، واليهود يطمعون أن يصلوا إلى جنوب الليطاني، بل يطمعون أن يأخذوا لبنان كله. فمن يوقفهم؟ ولكن إياكم أن تعطوهم الذرائع، فيغذّوا سطوتهم ثم يحصدوا النتائج على حسابكم، فنُنهك من الداخل.

من يستطيع أن يواجه ذلك؟ وأين الصواريخ؟ أين صواريخ أرض–جو التي لم تستطع إسقاط طائرة واحدة؟ لقد نفّذت عشرات الطائرات مئات الغارات على بيروت في دقائق معدودة، ولم يُسقَط منها شيء. فأين السلاح؟ وأين توازن الرعب؟ وأين ميزان الردع؟ ومن يحمي الأبرياء؟ ومن يعوّض عليهم حياتهم وممتلكاتهم وأمنهم؟

نعم، الدولة ضعيفة، وكلنا نقرّ بذلك، ولكن لا نزيدها ضعفًا بسبّها ومهاجمتها واتهامها، بل يجب أن نتماسك لنخرج من هذه الأزمة، التي لا نعلم إلى متى ستطول، ولا من المستفيد من إطالة أمدها لتحقيق مكاسب لم تتضح بعد.

فلذلك كونوا واعين، وكونوا متيقظين لما يُراد؛ فإنما يُراد حرب أهلية، ونحن ضد الحرب الأهلية، ويُراد المسّ بالعيش المشترك، ونحن ضد ذلك، ولن نرضى إلا أن نكون متعاونين، مسلمين ومسيحيين، في هذا البلد. ومن أراد غير ذلك فليبحث له عن بلد آخر.

وختم قائلًا: نتمنى أن يتحرر لبنان، كما تحررت سوريا، ونتمنى للعراق أن يتحرر، ونتمنى لإيران أن تتحرر، وأن ينعم الجميع بالأمن والاستقرار.

Exit mobile version