بقلم// العميد الركن المتقاعد د. جوزف س. عبيد
الحروب لا تبدأ عبثًا، ولا تُخاض من أجل القتال بحد ذاته، بل تنطلق لتحقيق أهداف واضحة ومحددة وضعتها القيادة السياسية والعسكرية مسبقًا. فالحرب في جوهرها ليست سوى أداة لتحقيق غاية، وليست الغاية بحد ذاتها. وعندما تتحول الوسيلة إلى عبء، وعندما يصبح تحقيق الأهداف مستحيلًا، يبدأ العقل الاستراتيجي بطرح السؤال الأكثر صعوبة: هل الاستمرار في الحرب هو الحل، أم أن وقفها هو القرار الحكيم؟
إن امتلاك السلاح المتطور، والتكنولوجيا العالية، والقدرة العسكرية الكبيرة، لا يعني بالضرورة تحقيق النصر. فالقوة شيء، والفوز بالحرب شيء آخر. النصر الحقيقي في أي حرب هو تحقيق الأهداف التي وُضعت لها، والسيطرة على الأرض، وفرض الإرادة السياسية، وضمان النتائج التي انطلقت من أجلها المعركة. أما إذا لم تتحقق هذه الأهداف، أو تحقق جزء بسيط منها، فإن ذلك لا يمكن اعتباره انتصارًا، بل مجرد إنجاز جزئي لا يرقى إلى مستوى الفوز بالحرب.
وعندما يبدأ الخطاب السياسي والعسكري بالتراجع تدريجيًا من هدف كبير إلى هدف أصغر، ومن رؤية حاسمة إلى رؤية محدودة، فذلك يعني أن ميزان الحرب لم يعد كما كان في البداية. فالخطاب في الحروب يعكس الواقع على الأرض، وعندما تتراجع الأهداف، فهذا دليل على أن القدرة على تحقيقها أصبحت محدودة أو شبه معدومة. وهنا يدخل القرار الاستراتيجي في مرحلة حساسة جدًا، لأن الاستمرار في حرب لا يمكن تحقيق أهدافها فيها يعني الدخول في دائرة الاستنزاف.
الاستنزاف هو أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة أو قوة عسكرية، لأنه يستهلك الموارد البشرية والاقتصادية والمعنوية دون تحقيق نتائج حاسمة. ومع مرور الوقت، تتحول الحرب من مشروع نصر إلى عبء ثقيل، ومن وسيلة لتحقيق الأهداف إلى وسيلة لإدارة الخسائر. وفي هذه المرحلة يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: لماذا بدأت الحرب أساسًا إذا لم تكن هناك إمكانية لتحقيق أهدافها؟
إن وقف الحرب دون تحقيق نتائج حاسمة يُعتبر خسارة في المنطق العسكري، لكن الاستمرار فيها مع استحالة تحقيق الأهداف يُعتبر خسارة أكبر. وبين الخسارة والخسارة الأكبر، يظهر القرار العقلاني الذي يقوم على تقليل الأضرار وحماية ما تبقى من القوة والقدرة والموارد. فالحكمة الاستراتيجية لا تقوم فقط على معرفة متى تبدأ الحرب، بل تقوم أساسًا على معرفة متى يجب أن تتوقف.
التاريخ العسكري مليء بأمثلة لحروب توقفت قبل تحقيق أهدافها لأن القيادات أدركت أن الاستمرار سيقود إلى انهيار أكبر. فالقائد الحقيقي ليس من يندفع في الحرب بلا حساب، بل من يعرف حدود القوة، ويقرأ الواقع كما هو، ويتخذ القرار الصعب في الوقت المناسب. لأن القرار الصعب أحيانًا هو الذي ينقذ الدولة أو الجيش أو المجتمع من خسائر لا يمكن تعويضها لاحقًا.
إن وقف الحرب في الوقت المناسب لا يعني الهزيمة بالضرورة، بل قد يكون انتصارًا للعقل على العاطفة، وللحكمة على الاندفاع، وللمستقبل على الحاضر. فالحرب التي تفقد أهدافها تفقد معناها، وعندما تفقد معناها تصبح مجرد نزيف مستمر. وعندها يصبح وقفها حماية للحياة والإنسان والأرض، وليس تراجعًا عن الموقف.
وفي النهاية، لا تُقاس الحروب بعدد المعارك التي خيضت، ولا بحجم السلاح الذي استُخدم، بل بالنتائج التي تحققت. فإذا لم تتحقق النتائج، يصبح من الضروري إعادة النظر في القرار، لأن الإصرار على حرب خاسرة لا يصنع نصرًا، بل يضاعف الخسارة. وهنا يظهر جوهر القيادة الحقيقية: أن تملك شجاعة اتخاذ قرار وقف الحرب عندما يصبح استمرارها عبثًا.
فمتى يصبح وقف الحرب انتصارًا للعقل؟
يصبح كذلك عندما تسقط الأهداف، وتتراجع الإمكانات، ويصبح الاستمرار استنزافًا، وعندما يدرك القائد أن حماية الإنسان والأرض والمستقبل أهم من البحث عن نصر لم يعد ممكنًا.
عندها فقط، يتحول وقف الحرب من خسارة إلى حكمة، ومن تراجع إلى قرار مسؤول، ومن نهاية معركة إلى بداية مرحلة جديدة من الوعي والاستقرار.
