بقلم// العميد الركن المتقاعد د. جوزف س. عبيد
يومًا بعد يوم نرى في واقعكم ما لا يفرح: انقسامًا عاموديًا وأفقيًا، وصراعًا لا ينتهي، وكل فريق يسعى إلى هدم الآخر، فيما المناصرون يصفّقون وكأنّ ما يجري انتصار، لا انتحار جماعي.
إلى أين تأخذون المجتمع المسيحي؟ وإلى أين يمضي لبنان إن سقط هذا المكوّن الذي كان دائمًا أحد أعمدة قيامه ورسالة وجوده؟
لا السلطة الروحية استطاعت جمعكم، ولا السلطات الرسمية نجحت في لملمة خلافاتكم، وأنتم مستمرّون في جلد بعضكم البعض، وكأنّ الزمن لا يمرّ، وكأنّ التاريخ لا يدوّن، وكأنّ الوطن لا ينزف.
كفى ضربًا ببعضكم، كفى سلخًا لجلدكم… فالمسيحيون لم يعودوا قادرين على التحمّل، ولبنان من بعدهم لن يبقى لبنان الذي نعرفه.
هذا لبنان الذي حمله الكبار على أكتافهم فكرةً ورسالةً قبل أن يكون حدودًا وجغرافيا.
لبنان شارل مالك وميشال شيحا وكمال الصليبي وغسان تويني وإيلي سالم وأنطوان مسرّة وناصيف نصار وجورج قرم ووجيه كوثراني وسمير فرنجية وشربل نحاس… وتستمر المسيرة.
ولبنان الدولة التي حلم بها رجال كبار مثل البطريرك الياس الحويك وفؤاد شهاب وكميل شمعون وشارل حلو وريمون إدّه وبيار الجميل وبشير الجميل، حيث كانت الدولة فكرة ورسالة ومؤسسات، لا مجرد صراع على السلطة.
ولبنان الثقافة الذي أنار الشرق بأدبه وفنه: جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة ومي زيادة وسعيد عقل وأنطوان غطاس كرم، ولبنان الفن الذي صاغ هوية وطن: الأخوين رحباني وفيروز ووديع الصافي وزكي ناصيف، حيث تحوّلت الكلمة إلى صلاة، والأغنية إلى وطن، والمسرح إلى هوية. لبنان كركلا، لبنان روميو لحود ، لبنان مارسيل خليفة….
هؤلاء لم يبنوا لبنان لأنهم اتفقوا في كل شيء، بل لأنهم اختلفوا ضمن فكرة واحدة: لبنان أولًا، والإنسان أولًا، والدولة أولًا.
لم يسقط لبنان يوم اختلفوا، بل سقط يوم تحوّل الاختلاف إلى صراع، ويضعف اليوم لأن الانقسام أصبح هدفًا بحد ذاته.
إن أخطر ما يواجه المسيحيين اليوم ليس الآخر، بل انقسامهم على أنفسهم.
وأخطر ما يهدد لبنان ليس الخارج فقط، بل عجز أبنائه عن التلاقي فالبيت الذي ينقسم على ذاته يسقط، والوطن الذي يتقاتل أبناؤه يضعف، والتاريخ لا يرحم من يضيّع الفرص.
المسيحيون في لبنان لم يكونوا يومًا مجرد طائفة، بل كانوا مشروع فكر وثقافة ودولة ورسالة.
كانوا جسرًا بين الشرق والغرب، وحملةً لفكرة الحرية والجامعة والصحافة والمسرح والاقتصاد والاغتراب والانفتاح.
وحين يضعف هذا الدور، يضعف لبنان كله، لا المسيحيون فقط.
اليوم الفرصة ما زالت موجودة.
اليوم يمكن التلاقي.
اليوم يمكن أن تعودوا إلى فكرة لبنان التي صنعها هؤلاء الكبار.
أما غدًا، فقد يصبح الوطن مجرد ذكرى، والأسماء مجرد صفحات في كتب التاريخ.
توحّدوا قبل أن تصبح رسالة لبنان حنينًا، وقبل أن يصبح الوطن الذي صنعه هؤلاء الكبار أمانة ضائعة، فلبنان لا يحتمل انقسامكم، والتاريخ لن ينتظر كثيرًا…
فماذا تنتظرون؟
