اسْتَحْضَرَ أَمِين فَتْوَى طَرَابُلُسَ وَشَيْخُ قُرَّائِهَا، بِلَال بَارُودِي، فِي خُطْبَة الجمعة من المسجد المنصوري الكبير تَحْتَ عُنْوَانِ: “وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا”، استحضر تَارِيخَ الْمُوَاجَهَاتِ الْكُبْرَى الَّتِي بَدَأَتْ فِي عَهْدِ الرِّسَالَةِ النَّبَوِيَّةِ الشَّرِيفَةِ؛ حَيْثُ جَهَّزَ الْيَهُودُ تَجْهِيزَاتٍ وَتَحْضِيرَاتٍ لَا يُمْكِنُ أَنْ تُقْهَرَ أَبَدًا، لَا بِالْعَدَدِ وَلَا بِالْعُدَدِ وَلَا بِالْعَتَادِ وَلَا بِالْخُطَطِ، وَأَطْبَقُوا عَلَى الْمَدِينَةِ كَالْكَمَّاشَةِ وَفْقَ مَا يَرِدُ فِي الْمُصْطَلَحِ الْعَسْكَرِيِّ.
وَمَعَ ذَلِكَ، وَكَمَا يَقُولُ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا ۚ وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ۚ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾. إِنَّهَا غَزْوَةُ الْأَحْزَابِ الَّتِي تَتَكَرَّرُ عَلَى مَرِّ التَّارِيخِ؛ فَكُلَّمَا قَوِيَ الْإِسْلَامُ وَاشْتَدَّتْ شَوْكَتُهُ، زَادَ الْحِقْدُ عِنْدَ أَعْدَاءِ الدِّينِ وَخَطَّطُوا لِإِضْعَافِهِ، وَمَا عَلِمُوا أَنَّ قَنَاةَ الْمُسْلِمِينَ لَا تَلِينُ.
غَدْرُ الْيَهُودِ وَطَبِيعَتُهُمْ
وَلَفَتَ إِلَى أَنَّ الْيَهُودَ حَاوَلُوا غَدْرَ النَّبِيِّ ﷺ، مُشَدِّدًا عَلَى أَنَّهُمْ قَوْمُ غَدْرٍ عَلَى مَرِّ التَّارِيخِ، لَا مِيثَاقَ لَهُمْ وَلَا عَهْدَ لَهُمْ وَلَا قَوْلَ لَهُمْ؛ هُمْ قَوْمٌ غُدُرٌ نُكَّسٌ لِلْمَوَاثِيقِ، لَا يَحْتَرِمُونَ أَيَّ مِيثَاقٍ، وَلَا يَرْتَدِعُونَ عَنْ فِعْلِ أَيِّ عَمَلٍ قَبِيحٍ. لِذَلِكَ، عَلَى مَرِّ التَّارِيخِ، لَا يُحَالِفُ الْيَهُودَ إِلَّا الْمُشْرِكُونَ وَالْحَاقِدُونَ عَلَى الْإِسْلَامِ.
الذَّاكِرَةُ الْإِيمَانِيَّةُ وَدُرُوسُ التَّارِيخِ
وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ تَنْشَطَ ذَاكِرَةُ الْمُؤْمِنِينَ لِمَا حَصَلَ فِي غَزَوَاتٍ وَمَرَاحِلَ عِدَّةٍ، وَمِنْهَا غَزْوَةُ الْخَنْدَقِ (الْأَحْزَابِ)؛ يَنْبَغِي أَنْ يُذْكَرَ ذَلِكَ وَأَنْ يُعَلِّمُوا أَبْنَاءَهُمْ ذَلِكَ حَتَّى تَتَّضِحَ الْمَسَالِكُ وَلَا يَقَعُوا فِي الْمَهَالِكِ. وحَذَّرَ -فِيمَا الْأُمَّةُ تَغْرَقُ فِي مُتَابَعَةِ وَسَائِلِ الْإِعْلَامِ وَالْهَوَاتِفِ- مِنْ أَنْ تَخْتَلِطَ الْأُمُورُ فَلَا يُمَيَّزُ الْأَمْرُ، حَيْثُ يَنْبَغِي أَنْ نَلْتَفِتَ إِلَى سِيرَةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَإِلَى كِتَابِ اللهِ وَالسُّنَّةِ، لِنَرَى بِذَلِكَ الْأَحْدَاثَ مِنْ حَوْلِنَا وَنُجِيدَ قِرَاءَةَ الْمُسْتَجِدَّاتِ.
الْأَخْذُ بِالْأَسْبَابِ وَتَأْمِينُ الْجَبْهَةِ الدَّاخِلِيَّةِ
وَذَكَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فِي غَزْوَةِ الْأَحْزَابِ أَرَادَ أَنْ نَتَعَلَّمَ كَيْفَ نَأْخُذُ بِالْأَسْبَابِ؛ فَهُوَ شَاوَرَ أَصْحَابَهُ، وَكَانَ فِيهِمْ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ الَّذِي قَالَ إِنَّهُ عِنْدَمَا كَانَ فِي فَارِسَ، وَعِنْدَمَا حُوصِرَتْ، “خَنْدَقَتْ” أَيْ جَعَلَتْ حَوْلَ الْمَدِينَةِ الْمُحَاصَرَةِ خَنْدَقًا، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِحَفْرِ الْخَنْدَقِ.
وَقَالَ إِنَّ الْمُؤْمِنَ يُعْرَفُ فِي الْأَزَمَاتِ بَعِيدًا عَنِ الْيَأْسِ وَالْإِحْبَاطِ، وَبَعِيدًا عَنِ الِاسْتِسْلَامِ أَوِ التَّقَاعُسِ؛ فَلَنْ نُخْذَلَ أَبَدًا بِإِذْنِ اللهِ مَا دُمْنَا مُعْتَصِمِينَ بِحَبْلِ اللهِ. وَشَدَّدَ عَلَى أَنَّ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَدْخُلَ مَعْرَكَةً فَعَلَيْهِ أَنْ يَرَى الْأُمُورَ مِنْ حَوْلِهِ بِالْحَاجَاتِ وَالِاحْتِيَاجَاتِ، وَالْأَمْنِ وَالْخَوْفِ؛ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ نُلْقِيَ بِمَنْ حَوْلَنَا فِي الْهَاوِيَةِ أَوْ أَنْ نَضَعَ الْأَوْزَارَ عَلَى الْآخَرِينَ. فَالْنَّبِيُّ ﷺ دَائِمًا مَا أَمَّنَ بِيئَتَهُ وَجَعَلَهَا فِي حِصْنٍ مَنِيعٍ (نِسَاءً وَأَطْفَالًا)، وَمَا اسْتَثْنَى أَحَدًا لَا بِمَالٍ وَلَا بِطَعَامٍ، فَلَا فَتَحَ بُيُوتًا عَنْوَةً، وَلَا فَتَحَ الْمَدَارِسَ، وَلَا هَدَّدَ الْمَسَاجِدَ، وَلَا رَمَى غَيْرَهُ بِالشَّتَائِمِ، بَلْ فَعَلَ مَا عَلَيْهِ، وَهَذَا الَّذِي يَفْعَلُهُ الْعُقَلَاءُ عَلَى مَرِّ التَّارِيخِ.
قَضِيَّةُ الْأَسْرَى وَالْمُقَدَّسَاتِ
وَإِذْ لَفَتَ إِلَى مُحَاوَلَةِ الْيَهُودِ الْغَدْرَ بِالْمُسْلِمِينَ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ، اسْتَحْضَرَ قَرَارَ الْيَهُودِ فِي “إِسْرَائِيلَ” بِإِعْدَامِ الْأَسْرَى، وَأَنَّهُ مَعَ كُلِّ الْأَزَمَاتِ يَنْبَغِي أَنْ لَا نَنْسَى لَا أَسْرَانَا وَلَا مَسْرَانَا، فَكُلُّ الدِّينِ فِي خَطَرٍ مِنَ الْأَقْصَى إِلَى الْأَدْنَى شَرْقًا وَغَرْبًا، ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾.
وَأَضَافَ: يَجِبُ أَنْ نَسْأَلَ مَنِ الَّذِي يَسْتَسِيغُ عَلَى مَرِّ التَّارِيخِ أَنْ يَقْتُلَ الْأَسْرَى وَأَنْ يَذْبَحَ النِّسَاءَ وَالْأَطْفَالَ وَالشُّيُوخَ؟ هُمُ الْيَهُودُ وَمَنْ حَالَفَهُمْ. فَعِنْدَمَا أَصْدَرَ الْيَهُودُ قَرَارَهُمْ تَجَرَّأُوا بِشَيْءٍ خَطِيرٍ، وَتَجَرَّأَ غَيْرُهُمْ بِأَخْطَرَ مِنْهُ؛ فَفِي سُورِيَا مِلْيُونُ فَقِيدٍ، أَيْ أَنَّ الْأَسْرَى قُتِلُوا جَمِيعًا. أَمَّا فِي فِلَسْطِينَ فَقَدْ أَعْلَنُوا أَنَّهُمْ سَيَقْتُلُونَ أَسْرَانَا، وَلِمَاذَا أُعْلِنَ ذَلِكَ؟ لِنَرَى الْعَجْزَ، وَلِيَقُولَ الْإِسْرَائِيلِيُّونَ لَنَا إِنَّنَا عَاجِزُونَ عَنْ نُصْرَةِ أَسْرَانَا وَمَسْرَانَا. وَلَكِنْ مَا عَلِمُوا أَنَّ اللهَ تَعَالَى مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ، وَمَا عَلِمُوا أَنَّ سَاعِدَ أَهْلِنَا فِي غَزَّةَ وَهِمَّتَهُمْ مَا فَتَرَتْ وَعَزِيمَتَهُمْ مَا ضَعُفَتْ، وَسَيَدْفَعُونَ الثَّمَنَ غَالِيًا، وَسَيَعْلَمُونَ أَنَّ الْحَجَرَ وَالشَّجَرَ سَيَقُولُ يَوْمًا: “يَا مُسْلِمُ، يَا عَبْدَ اللهِ، هَذَا يَهُودِيٌّ وَرَائِي فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ”، فَالْمَعْرَكَةُ مَعَهُ فَاصِلَةٌ قَاضِيَةٌ.
رِسَالَةٌ إِلَى الْخَلِيجِ وَالْأُمَّةِ
وَلْنكُنْ عَلَى يَقِينٍ أَنَّ مَنْ يَقْتُلُ النِّسَاءَ وَالْأَطْفَالَ إِنَّمَا هُوَ عَلَى أَخْلَاقِ يَهُودَ، وَالَّذِي يُحَاوِلُ أَنْ يَسْتَضْعِفَ أُمَّتَنَا وَيَتَنَاوَلَ أَيَّ مَنْطِقَةٍ فِي بِلَادِنَا انْطِلَاقًا مِنْ مَفْهُومِ “الْخَاصِرَةِ الرَّخْوَةِ”.
وَأَرْدَفَ مُوَجِّهًا رِسَالَةً إِلَى أَهْلِنَا فِي الْخَلِيجِ قَائِلًا: إِنَّ الْمُتَرَبِّصِينَ بِكُمْ كَثُرٌ، فَلْتَخْرُجْ مِنْكُمْ صَفِيَّةُ؛ فِي إِشَارَةٍ إِلَى عَمَّةِ النَّبِيِّ ﷺ الَّتِي عَاجَلَتْ أَهْلَ الْغَدْرِ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ فَضَرَبَتْهُ وَقَطَعَتْ رَأْسَهُ وَأَلْقَتْ بِرَأْسِهِ لِلْيَهُودِ لِتُؤَدِّبَ هَؤُلَاءِ الْغَدَّارِينَ. فَاقْطَعُوا رَأْسَ الْأَفْعَى وَأَعِيدُوا الثِّقَةَ إِلَى بِلَادِكُمْ؛ فَبِلَادُكُمْ مَحْمِيَّةٌ بِدِينِ اللهِ بِالْأَصْلِ وَبِكِتَابِ اللهِ وَبِاعْتِصَامِكُمْ بِالنَّبِيِّ ﷺ. أَعِيدُوا النَّخْوَةَ وَالشَّجَاعَةَ وَالثِّقَةَ فِي أَبْنَائِكُمْ، لَا تَنْتَظِرُوا أَحَدًا أَنْ يُدَافِعَ عَنْكُمْ وَلَا أَنْ يَرُدَّ الْعُدْوَانَ عَنْ أَطْفَالِكُمْ وَنِسَائِكُمْ؛ كُونُوا أَنْتُمُ الْمُدَافِعِينَ، وَكُونُوا أَنْتُمْ أَبْنَاءَ صَفِيَّةَ، وَكُونُوا أَنْتُمْ مَنْ يَقْطَعُ رَأْسَ الْأَفْعَى حَتَّى تَنْعَمُوا بِالْأَمْنِ لِأَجْيَالٍ وَأَجْيَالٍ، وَلَا تَنْتَظِرُوا أَمْنًا مِنْ هُنَا أَوْ دِفَاعًا مِنْ هُنَاكَ أَوْ تَحَالُفًا مِنْ هُنَالِكَ.
وَأَضَافَ: وَأَمَّا الَّذِي يُؤْذِي بَلَدَنَا وَمَنْطِقَتَنَا وَأُمَّتَنَا فَهُوَ التَّوَاكُلُ؛ فَعِنْدَمَا فَعَلَتْ صَفِيَّةُ مَا فَعَلَتْ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ، أُلْقِيَ الرُّعْبُ فِي يَهُودِ بَنِي قُرَيْظَةَ وَقَالُوا إِنَّ الْحُصُونَ كُلَّهَا مُمْتَلِئَةٌ بِالرِّجَالِ، فَارْتَدَعُوا أَنْ يَغْدُرُوا بَعْدَ ذَلِكَ. فَكُونِي أَيَّتُهَا النِّسَاءُ رِجَالًا كَصَفِيَّةَ، وَكُونُوا أَيُّهَا الْعَرَبُ شُجْعَانًا كَصَفِيَّةَ، وَكُونُوا أَيُّهَا الْأَبْنَاءُ مُسْتَعِدِّينَ كَمَا كَانَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ الَّذِي تَسَلَّلَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ وَعَلِمَ خَبَرَهُمْ وَأَخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ، فَانْتَصَرَتِ الْأُمَّةُ. وَهَكَذَا ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا ۚ وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ۚ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾.
امين فتوى طرابلس الشيخ بلال بارودي يستحضر في خطبة الجمعة تاريخ المواجهات الكبرى التي بدأت في عهد الرسالة النبوية الشريفة
