الضاحية ليست غزة/ علي قصاب

هذه هي الأسباب التي تقلق إسرائيل قبل أي مغامرة!

تبدو التهديدات الإسرائيلية بتحويل الضاحية الجنوبية إلى “غزة ثانية” جزءًا من الخطاب السياسي المتكرر في أوقات التصعيد. لكن في الحسابات العسكرية الباردة، يدرك صُنّاع القرار في تل أبيب أن الضاحية ليست هدفًا عاديًا، وأن ضربها قد يفتح الباب أمام واحدة من أخطر الحروب في تاريخ المنطقة.

ومع اندلاع الحرب بين إسرائيل وحزب الله، أصبحت الضاحية واحدة من أبرز ساحات المواجهة. الغارات الجوية التي استهدفت المنطقة خلال الأيام الأخيرة لم تعد مجرد رسائل ردع كما كان الحال في السنوات الماضية، بل أصبحت جزءًا من صراع مفتوح يتداخل فيه البعد اللبناني مع المواجهة الإقليمية بين إسرائيل وإيران.

لكن رغم شدة الضربات الإسرائيلية، يبقى السؤال مطروحًا بقوة في الأوساط العسكرية والسياسية: هل تستطيع إسرائيل فعلًا تحويل الضاحية إلى “غزة ثانية” كما يلمّح بعض الخطاب الإسرائيلي؟

الواقع الاستراتيجي يشير إلى أن الأمر أكثر تعقيدًا بكثير مما يبدو.

الضاحية ليست غزة

في الخطاب السياسي الإسرائيلي، تُستخدم المقارنة مع غزة أحيانًا كأداة تهديد. لكن هذه المقارنة تخفي فروقات عسكرية وجيوسياسية جوهرية.

غزة منطقة صغيرة ومحاصرة يمكن لإسرائيل أن تفرض عليها طوقًا عسكريًا كاملًا، بينما الضاحية الجنوبية ليست منطقة معزولة، بل جزء من العاصمة اللبنانية بيروت.

أي تدمير واسع للضاحية يعني عمليًا ضرب قلب مدينة كبرى تضم سفارات ومؤسسات دولية وبنية اقتصادية حساسة. وهذا يضع إسرائيل أمام تداعيات سياسية ودبلوماسية أوسع بكثير من تلك التي ترافق عملياتها العسكرية في غزة.

بعبارة أخرى، الضاحية ليست مجرد هدف عسكري، بل عقدة سياسية حساسة في مدينة مركزية في الشرق الأوسط.

وهنا يكمن الفرق الأكبر بين الساحتين في طبيعة القوة العسكرية لدى الطرف المقابل. ففي غزة، تواجه إسرائيل فصائل مسلحة ذات قدرات محدودة نسبيًا مقارنة بالتفوق العسكري الإسرائيلي. أما في لبنان، فهي تواجه حزب الله، الذي يُعد اليوم أحد أقوى التنظيمات العسكرية غير التابعة لسلطة الدولة في العالم.

في هذا السياق، تشير تقديرات مراكز الدراسات العسكرية إلى أن الحزب يمتلك أكثر من 100 ألف صاروخ وقذيفة، رغم ما استُهلك منها أو ما سُلّم للجيش اللبناني، بينها صواريخ متوسطة وبعيدة المدى، إضافة إلى صواريخ دقيقة قادرة على إصابة أهداف استراتيجية داخل إسرائيل.

وهذا يعني أن أي تصعيد واسع ضد الضاحية قد يقابله تصعيد مباشر ضد مدن إسرائيلية رئيسية مثل حيفا وتل أبيب.

في الحروب الحديثة، لا تُقاس القوة فقط بعدد الطائرات أو الصواريخ، بل أيضًا بقدرة المجتمعات على تحمّل الحرب.

وتشير تقديرات أمنية إسرائيلية إلى أنه مع توسّع الحرب مع حزب الله قد تشهد الجبهة إطلاق آلاف الصواريخ يوميًا نحو العمق الإسرائيلي.

هذا السيناريو قد يؤدي إلى مزيد من الأضرار، من تعطيل للموانئ والمطارات والبنية التحتية الحيوية، ويضع الاقتصاد الإسرائيلي تحت ضغط أشد. ولهذا السبب، تدرك المؤسسة العسكرية الإسرائيلية أن الحرب مع حزب الله تختلف جذريًا عن العمليات العسكرية في غزة.

هناك عامل آخر يجعل الضاحية مختلفة يكمن في بعدها الإقليمي. فالحرب الحالية لا تقتصر على مواجهة بين إسرائيل وحزب الله فقط، بل ترتبط بالصراع الأوسع بين إسرائيل وإيران.

الضاحية تُعد أحد أبرز مراكز نفوذ الحزب في لبنان، كما تشكل جزءًا من شبكة إقليمية أوسع تمتد من طهران إلى بيروت مرورًا بسوريا والعراق.

ولهذا فإن ضربها بشكل شامل قد يدفع إيران وحلفاءها إلى توسيع المواجهة في أكثر من جبهة، وهو سيناريو قد يحوّل الحرب إلى صراع إقليمي واسع.

في النهاية، لا تُدار المواجهة بين إسرائيل وحزب الله بمنطق الحسم الكامل، بل بمنطق توازن الردع المتبادل.

إسرائيل تستطيع تنفيذ ضربات جوية قوية داخل لبنان، لكنها تدرك أن محاولة تحويل الضاحية إلى “غزة ثانية” قد تفتح الباب أمام حرب إقليمية يصعب التحكم في مسارها.

ولهذا تبقى العمليات العسكرية حتى الآن ضمن إطار التصعيد المدروس، رغم شدة المواجهة الجارية.

لكن التاريخ في الشرق الأوسط يثبت أن التوازنات الهشة قد تنهار أحيانًا بسبب خطأ واحد في الحسابات. وعندها قد تتحول الضاحية من ساحة قتال إلى مفتاح لاختبار توازن القوى في المنطقة بأكملها.

 

علي قصاب

Exit mobile version