مسافة تصنع الفرق بين البقاء والإنهيار/ بقلم العميد جوزف عبيد

حين تُرفَع شعارات القوّة، يصبح لزامًا أن تُقاس بمعناها الحقيقي لا بضجيجها. فالقوّة ليست استعراضًا لغويًا ولا تصعيدًا في النبرة، بل قدرة فعلية على حماية الناس، وتحمل المسؤولية ضمن منطق الدولة والقانون والمؤسسات. أمّا حين تتحوّل إلى مجرّد أداة للمناورة أو وسيلة للتأثير في الشارع، فإنها تفقد معناها وتتحوّل عبئًا على الوطن لا ركيزة له.
التاريخ يعلّم أن التهديدات التي لا تُترجم أفعالًا لا تصنع هيبة، بل تسرّع التآكل الداخلي. والادعاء بامتلاك القدرة على الحسم، من دون تحمّل تبعاته، لا يقود إلا إلى مزيد من الاستنزاف والخراب. الاعتراف بالوقائع، مهما كانت قاسية، يبقى أقل كلفة من المكابرة، لأن الهزائم يمكن تجاوزها، أما إنكارها فيفتح الباب لانهيارات أكبر.
لقد دفعت المجتمعات أثمانًا باهظة نتيجة ممارسات فُرضت عليها باسم القوّة، فيما كانت في حقيقتها فائض ضغط على الناس لا قدرة لهم على احتماله. فزجّ الشعوب في صراعات مفتوحة، وسحبها إلى مسارات غامضة النهاية، لا يصنع انتصارًا ولا يحمي كرامة، بل يراكم الألم ويعمّق الانقسام.
أما الشراكة، فليست شعارًا يُرفع عند الحاجة ولا عبارة تُستخدم لتجميل الخطاب. الشراكة الحقيقية تقوم على احترام الإرادات المتبادلة، وعلى الإيمان بأن الأوطان لا تُدار بعقل واحد ولا تُختزل بقرار فردي. فالاستئثار بالقرار ليس علامة قوّة، بل وهم يقود إلى العزلة والصدام، كما أن الارتهان لأي جهة خارج منطق الدولة ليس خيارًا سياديًا، بل مسار انحداري خطير.
إن الشراكة تعني الاختلاف دون قطيعة، والحوار بدل التناحر، والاحتكام إلى المؤسسات لا إلى فائض النفوذ أو السلاح. فالوطن الذي يضيق بالرأي الآخر، يضيق تلقائيًا بأي أفق للمستقبل.
في العمق، تكمن المعضلة بين ثقافتين: ثقافة ترى في الصراع قدرًا دائمًا، وأخرى ترى في الحياة مشروعًا يستحق الدفاع عنه. هناك من يبني خطابه على التهديد، ومن يبنيه على الأمل. من يبحث عن ساحات المواجهة، ومن يبحث عن ساحات العمل والبناء.
فالقوّة الحقيقية لا تكمن في القدرة على خوض الحروب، بل في الحكمة التي تمنع اندلاعها.
والوطن لا يُصان بالوعيد، بل بالمسؤولية.
والشعوب لا تُقاد بالخوف، بل بالثقة.
وبين من يعتاد منطق الدمار، ومن يؤمن بمنطق الوطن، مسافة شاسعة…
مسافة تصنع الفرق بين البقاء والانهيار.

Exit mobile version