المفتي الرفاعي: الواقع السياسي اللبناني يغلّب المصالح الضيقة والانقسامات على مصلحة الناس

أكد مفتي محافظة بعلبك الهرمل الشيخ الدكتور بكر الرفاعي، في رسالة “منبر الجمعة”ان “التوحيد الخالص هو أساس الإيمان، وهو الرسالة التي جاء بها جميع الأنبياء، دعوة لتحرير الإنسان من عبودية البشر والأهواء، وربطه بخالقه ربّ السماوات والأرض، إله الرحمة والعدل والحكمة”.

وأشار إلى أن “مريم عليها السلام، تلك المرأة الطاهرة التي نشأت في بيئة عبادة وصفاء، ونذرتها أمها لله خالصة، فكفلها نبي الله زكريا، وتربّت على الطهر والزهد واليقين”.

وقال: “شاء الله أن يجعل من حياة  مريم عليها السلام درسًا خالدًا في العفّة والثقة بالله، وأن تكون مثالًا للمرأة المؤمنة التي تواجه الابتلاء بالصبر واليقين. كانت المعجزة الكبرى بولادة عيسى عليه السلام، كلمة الله التي ألقاها إلى مريم، فكان مولده آيةً للناس ورحمةً من الله، ودليلًا على قدرته المطلقة التي لا تحدّها القوانين ولا الأسباب”.

وتابع: “واجهت مريم محنة الاتهام والافتراء، لكن الله تكفّل بالدفاع عنها، فأنطق وليدها في المهد ليعلن براءتها، ويؤكد أن الحق لا يضيع وإن طال الابتلاء…  جاء عيسى عليه السلام برسالة تحمل في جوهرها الرحمة والمحبة والعدل، رسالة تهدف إلى إحياء القلوب، ومداواة الأرواح، ونشر قيم الإحسان، والدعوة إلى التواضع، ومساندة الضعفاء، والوقوف إلى جانب المظلومين. خاطب الإنسان بما هو إنسان، ودعا إلى تطهير الداخل قبل إصلاح الظاهر، فكانت كلماته بلسمًا للقلوب المنكسرة”.

ورأى أن “الجانب الإنساني في رسالة المسيح يتجلّى في رحمته بالناس، وقربه من الفقراء والمحتاجين، ودعوته إلى التسامح ونبذ القسوة، وإحياء قيمة المحبة الصادقة التي لا تقوم على الظلم ولا تُبرِّر العدوان”.

وتابع: “يؤكد القرآن الكريم أن عيسى عليه السلام عبدٌ لله ورسولٌ كريم، مكرَّم بالنبوة، ومؤيد بالآيات، ودعوته قائمة على عبادة الله وحده، وربط الناس بخالقهم، لا على تأليه البشر أو رفعهم فوق منزلتهم”.

وأضاف: “حين ننظر إلى عالمنا اليوم، نرى أن رسالة المسيح الإنسانية ما زالت حاضرة في معاني الصبر، والثبات، ورفض الظلم، ونصرة المقهورين، وهي قيم يشترك فيها المؤمنون جميعًا. إن معاناة الأبرياء في أي مكان وخاصة في غزة العزة تستدعي إحياء هذه القيم، والتأكيد أن الإيمان الحقيقي هو الذي ينحاز للإنسان، ويقف مع الحق، ويزرع الأمل، لأن الله تعالى يحب العدل، ويأمر بالرحمة، ويجعل عاقبة الصابرين نورًا وكرامة”.

وأردف: “تلتقي غزة اليوم مع قصة مريم وعيسى عليهما السلام عند معنى الصبر في وجه الظلم، والثبات أمام الافتراء، واليقين بأن الله لا يخذل المظلومين. كما واجهت مريم محنة الاتهام وصبر عيسى على الأذى، يصبر أهل غزة على الحصار والقتل، حاملين رسالة إنسانية عنوانها كرامة الإنسان ورفض الظلم، لتبقى المعاناة شاهدًا على أن الحق لا يُقاس بالقوة، وأن الصبر يصنع المعنى والأمل”.

وتطرق المفتي الرفاعي إلى الواقع السياسي اللبناني، معتبرا أنه “يعكس أزمة عميقة في تغليب المصالح الضيقة والانقسامات على مصلحة الناس، حتى تحمّل المواطن عبء الفشل والتعطيل. والحاجة اليوم إلى خطاب مسؤول يعيد الاعتبار لقيم العدالة والتلاقي، ويقدّم الإنسان وكرامته على الصراعات”.

Exit mobile version